منتدى حكمة فلسفة الفاروق الصهرجتاوى ( رحم الله أباه )
اهلا ومرحبا بك عضوا وزائرا فى منتدى حكمة فلسفة الفاروق للموادالفلسفية والقضايا العامة والثقافية يشرفنا أن تكون بيننا عضوا فى المنتدى والله من واء القصد
بحـث
 
 

نتائج البحث
 


Rechercher بحث متقدم

المواضيع الأخيرة
» العزاء واجب لكل عائلات ابو الحسن وعائلات جادالله ..فى صهرجاوى فى وفاة زوجة خالى الأستاذ المرحوم عبدربه اسماعيل عبدربه ابو الحسن
الخميس ديسمبر 06, 2018 12:46 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» الذكرى الثامنه والعام الثامن على رحيل الأب والأخ والمربى والمعلم وكل ماله صلة مباشرة بجذورة
الثلاثاء أكتوبر 30, 2018 10:52 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» العزاء واجب لكل عائلات صهرجاوى وعائلات الغباشى واخى المخلص التقى الورع الحاج محمد أبوبكر حسن السيد الغباشى فى وفاة الكابتن البطل الرائد أحمد محمد حسن .
الثلاثاء أكتوبر 30, 2018 10:00 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» أصالة مواطن مصرى ومعلم صهرجتاوى
الجمعة أغسطس 10, 2018 9:49 am من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» تكريم القدوة والمثل الأعلى للمربى والرائد والمعلم والمؤدب أخى وابن عمتى وحبيب قلبى الاستاذ مرسي محمد التوام وزميله الفاضل الأستاذ خالد احمد عبد الرازق.
الجمعة أغسطس 10, 2018 8:54 am من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» عروض كاميرات المراقبة لعام 2018
الثلاثاء ديسمبر 19, 2017 6:02 am من طرف كاميرات

»  25 معلومه مهمة عن فلسطين
الأحد ديسمبر 10, 2017 12:56 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» آخر وصايا الرسول صل الله عليه وسلم
السبت نوفمبر 11, 2017 10:15 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

» أخر وصايا الرسول صل الله عليه وسلم .
السبت نوفمبر 11, 2017 10:08 pm من طرف ابراهيم فاروق هيكل

مكتبة الصور


التبادل الاعلاني

سياسات الإصلاح الاقتصادي وفقراء الحضر المصرى

اذهب الى الأسفل

سياسات الإصلاح الاقتصادي وفقراء الحضر المصرى

مُساهمة من طرف ابراهيم فاروق هيكل في الجمعة أكتوبر 14, 2011 8:40 am

سياسات الإصلاح الاقتصادي وفقراء الحضر المصرى

دراسة سوسيولوجية فى آليات المواجهة وميكانيزمات التكيف
إعداد: د.علىَّ الدين عبدالبديع القصبى
مدخل إلى قضية الدراسة :

قضية ملحة غدت اليو م تشغل أقطاراً عديدة من العالم ولا سيما الأقطار النامية والتى أخذت معاناتها تشتد يوماً بعد يوم نتيجة لمشكلاتها الاجتماعية التى أضحت تهدد تهديداً بالغاً مستقبلها فى التنمية . إذ تشهد بلدان هذه الأقطار انحساراً ملحوظاً فى النشاط الاقتصادى مصحوباً ببرامج للتثبيت والتكيف الهيكلى Structural Adjustment & Stabilization Program أضعفت من قدرتها على إشباع الحاجات الإنسانية الأساسية Basic Human Needs لشعوبها. وقد أدت هذه الحالة أيضاً إلى تضخم الفئات الاجتماعية الهامشية (ارتفاع نسبة الأسر التى تحيا فى حالة فقر، وفى عدد الأشخاص الذين يعيشون تحت خط الفقر المدقع) ، وتعميق مأساة هؤلاء ، ذلك بفعل تأثير تبنى التوجهات الأيدولوجية والسياسية والاقتصادية ، أو بالأحرى دعائم الليبرالية الجديدة New Liberalism المفروضة بصرامة شديدة من قبل مؤسسات التمويل ومانحى المساعدات الدولية .

وثمة ظروف موضوعية ( دولية ) ، وأخرى ذاتية ( محلية) تفاعلتا معا للضغط على حكومات البلدان النامية للسير صوب هذه النزعة الليبرالية وتنفيذها مع عقد الثمانينات. فعلى المستوى الدولى ساءت أوضاع هذه البلدان في الاقتصاد العالمى . حيث تفاقمت الأزمة الاقتصادية ابتداءً من النصف الثانى من السبعينات بسبب : تدهور حصيلة الصادرات ، وارتفاع أسعار الواردات ، وتفاقم عجز ميزان المدفوعات، وزيادة أعباء الديون الخارجية . وعلى المستوى المحلى برزت تناقضات نموذج التنمية التى طبقته هذه البلدان عقب حصولها على الاستقلال السياسي وفشله فى تحقيق التقدم والعدالة لشعوبها ؛ وما نجم عن ذلك من توترات اقتصادية واجتماعية وسياسية ، تمثل أهمها في تفاقم عجز الموازنة العامة ، وزيادة معدلات التضخم ، وتراجع معدلات الادخار والاستثمار والنمو الاقتصادي ، كما تفاقمت البطالة ، واتسعت الفوارق الطبقية ، وتدهورت مستويات المعيشة . ومن هنا كان من الطبعى أن ينتهى الحال بأنظمة الحكم في البلدان النامية إلى تسليم شئونها الاقتصادية والاجتماعية للقوى الرأسمالية العالمية ومنظماتها الدولية.

هكذا اضطرت الأقطار النامية ، ومن بينها أقطار عربية ـ تحت ضغوط عالمية قاسية في متطلباتها ومقتضاياتها ـ أن تخوض إصلاحات تثبيتية وهيكلية استهدفت تصحيح الاختلالات الاقتصاديةوالتى ترجع إلى حد بعيد إلى ظروف خارجية معاكسة، وإلى بعض السياسات الداخلية التى كانت متبعة حتى مطلع الثمانينات .

وكالعديد من هذه الأقطار شرعت مصر في تطبيق برنامج للإصلاح الاقتصادى والهيكلى تحت إشراف ودعم المؤسستين الدولتين (الصندوق والبنك) بدءاً من العام المالى(91/1992م) وفقاً لثلاث مراحل هى على النحو التالى:المرحلة الأولىSadمايو1991- مارس1993م) ، المرحلة الثانيةSadمارس1993-أكتوبر1996م) ، المرحلة الثالثة Sadأكتوبر1996-سبتمبر1998م).

هذا وتهدف سياسات الإصلاح الاقتصادى Economic Reform Policies التى اتبعتها الدولة فى مصر إلى تصحيح الاختلال بين جانبى العرض والطلب فى الاقتصاد القومى ، الذى انعكس فى وجود عجز فى ميزان المدفوعات ، والموازنة العامة للدولة ، وارتفاع حاد فى الأسعار ، وغيره من أوجه الاختلالات الشائعة فى الدول النامية، على أن يتم التصحيح الهيكلى عن طريق تطبيق آليات السوق الحر الليبرالى ، وتبنى حزمة من الإجراءات الاقتصادية الكلية الانكماشية المالية والنقدية (سياسات خاصة بتحرير الأسعار ، وتحرير التجارة الخارجية ، وتحرير سعر الصرف الأجنبى ، وأسعار الفائدة المحلية ، وتحرير القطاع العام بالتخلص منه وبيع وحداته ، وتطبيق برنامج الخصخصة).

ويقاس نجاح سياسات الإصلاح الاقتصادى من عدمه بمدى نجاحها فى تحقيق أهدافها الأساسية من خفض العجز فى ميزان المدفوعات وميزانية الحكومة وتحرير سعر الصرف.والقضاء على الفقر ، أو التخفيف منه ليس من الأهداف الأساسية لسياسات الإصلاح الاقتصادى وإنما يفترض ضمنياً أن نجاح هذه السياسات فى القضاء على الاختلالات الهيكلية فى الاقتصاد القومى وما تؤدى إليه من زيادة فى معدل نمو الناتج القومى ، وخلق فرص عمل جديدة ، والحد من التضخم سيؤدى تلقائياً إلى التخفيف من حدة الفقر فى المجتمع.

والحق أن السياسات الاقتصادية مهما بلغت درجة كفاءتها فى المجال الاقتصادى البحت ستفشل إن لم تحقق النمو المتوازن بين التقدم الاجتماعى والرفاهية لجميع الفئات الاجتماعية (غنيها وفقيرها).إذ أن مصادرة النمو والتقدم لفئة على حساب فئة أخرى أو لشرائح اجتماعية دون الشرائح الأخرى لهو الطريق للأزمة الشاملة للمجتمع مهما تحسن أداء ميزان المدفوعات وخٌفض عجز موازنة الدولة.

إن الفهم الصحيح لسياسات الإصلاح الاقتصادى فى مجتمعنا المصرى من منظور علم الاجتماع أمر لازم ليس فقط لمعرفة تأثيراتها الاقتصادية العامة ، ولكن أيضاً لمعرفة التأثيرات الاجتماعية السلبية المتعلقة بالتنمية البشرية.فهناك ثلاث سمات أساسية ذات طبيعة سلبية تنجم عن تبنى سياسات الإصلاح الاقتصادى.أولاها:السمة الانكماشية لتلك السياسات.وثانيها:انحياز هذه السياسات لصالح عنصر رأس المال على حساب العمل.وثالثها:إضعاف هذه السياسات لقوة الدولة الاقتصادية.ولهذا يمكن القول بأن هناك تأثيرات وتداعيات مباشرة لسياسات الإصلاح الاقتصادى على التنمية البشرية ، ولعل أهمها:تدهور أحوال الفقراء فى مصر ، وتردى مستوى إشباع حاجاتهم الأساسية.لقد ثبت أنه فى معظم المجتمعات عادة ما يكون الفقراء أقل قدرة من الناحية السياسية على حماية أنفسهم من مثل هذه الانعكاسات السلبية عن الطبقات الاجتماعية الأخرى المرتفعة أو المتوسطة فى الدخل.

ومن هنا تجئ أهمية فهم المستتبعات الاجتماعية ، والتقليل من حجم التداعيات السلبية الناجمة عن سياسات الإصلاح الاقتصادى التى ينتج عنها شروخ وتصدعات اجتماعية قد يصعب رأبها فى المستقبل.فعادةً ما تقاس قوة الأمم بدرجة التماسك الاجتماعى وليس بازدياد وجوه الانفصامات الاجتماعية.الأمر الذى يستوجب معه الاهتمام الشديد من جانب راسمى السياسة الاقتصادية باعتبارات الكفاءة الاجتماعية Social Efficiency جنباً إلى جنب مع اعتبارات الكفاءة الاقتصادية Economic Efficiency.فبدونهما لن يقدر لأى سياسات إصلاحية وتنموية أن تحقق ما تصبو إليه من طموحات وأهداف حقيقية.

وفى ضوء ذلك واستناداً لما سبق ، من المتوقع أن فقراء الحضر (العاملين بالقطاع غير الرسمى) فى مصر سوف يتأثرون بشدة أكثر من غيرهم بسياسات الإصلاح الاقتصادى، من جراء إلغاء (أو تخفيض) الدعم الذى يخصص للمواد التموينية الغذائية، ومن خلال ارتفاع أسعار منتجات القطاع العام ، وأسعار الطاقة والنقل ، وزيادة الضرائب غير المباشرة ، وخفض الإنفاق العام الموجه لخدمات التعليم والصحة وتذايد رسومهما.وفى ضوء انخفاض الدخول الحقيقية لهم سوف تضيق الفرص المتاحة أمامهم وتتردى مستوى معيشتهم.

حقاً إن الوقت مازال مبكراً بعض الشىء لإصدار وحساب هذا التردى بسبب حداثة عهد تطبيق السياسات المنبثقة عن برنامج الإصلاح الاقتصادى فى مصر (1991م). بيد أن تجارب البلدان النامية العديدة التى طبقت حزمة هذه السياسات فى السنوات الماضية ، أوضحت أن لها تداعيات سلبية عميقة على مستوى معيشة شعوب هذه البلدان ،وأن العبء الأكبر أو التكلفة الاجتماعية لهذه السياسات تقع على كاهل الفقراء.

أولا: قضية الدراسة ومبررات الاختيار :

والحقيقة أن قضية الدراسة الراهنة تتمحور بشكل خاص حول:سياسات الإصلاح الاقتصادى فى ضوء ارتباطها بفقراء الحصر المصرى ، وآليات المواجهة ، ميكانيزمات التكيف ، حيث من المتوقع عند تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى المجتمع المصرى أن تتأثر مستويات الرفاهية للشرائح الاجتماعية بدرجات متفاوتة.إذ أن فقراء الحضر من العاملين بالقطاع غير الرسمى سوف يعانون أكثر من غيرهم من وطأة هذه الحزمة من السياسات الليبرالية الجديدة ، التى تعمل على تحرير الأسعار ، وإلغاء الدعم على الغذاء وتخفيض الإنفاق الحكومى على الخدمات الاجتماعية الأساسية كالصحة والتعليم اللذين ينفق عليهما الفقراء الجزء الأكبر من دخولهم.ولا شك أن مثل هذه الإجراءات تفضى إلى ارتفاع تكاليف مستوى المعيشة ، وتسهم فى تدهور إشباع الحاجات الضرورية لهذه الشريحة الاجتماعية الفقيرة ، مما يدفع بها إلى تطوير أنماط ونماذج من الميكانيزمات التكيفية تتعايش من خلالها مع تلك التداعيات السلبية بمرونة إيجابية ، كما أن هذه التداعيات الاجتماعية السلبية ذاتها تدفع إلى طرح آليات (رسمية وغير رسمية) لمواجهتهـا ؛ للتخفيف من وطأة انعاكاساتها على الفئات الاجتماعية المستضعفة فى المجتمع المصرى.

هكذا تهتم الدراسة الراهنة برصد التداعيات الاجتماعية السلبية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى على واقع فقراء الحضر المصرى والوقوف على كل من آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية المقدمة للتخفيف من وطأة هذه التداعيات السلبية، فضلاً عن فهم ميكانيزمات تكيف فقراء الحضر المصرى أنفسهم مع هذه المستتبعات الاجتماعية السلبية وإبداعاتها الرشيدة حيالها.

ويرجع اختيار هذه القضية – كمجال للدراسة – إلى أمور عديدة لعل من أهمها :

(1):إن الإصلاح الاقتصادى أصبح فى الوقت الراهن موضوعاً هاماً إذ يمثل قضية الساعة ، ومحوراً لاهتمام متخذى القرار ، وواضعى السياسات ، كما أنه على الجانب الآخر يجذب إليه المتخصصين من علوم شتى.وفى ضوء ذلك كان من الطبعى أن يتجه إليه علم الاجتماع ليأخذ نصيبه من الاهتمام به من زاوية مستتبعاته الاجتماعية وأبعاده الإنسانية.

(2):إن اهتمام علم الاجتماع بالأبعاد الاجتماعية للإصلاح الاقتصادى فى مصـر، ليس ترجمة لتصور معين عن العدالة الاجتماعية وإنما هو أحد ضروريات الاستقرار الاجتماعى والسياسى فى مجتمعنا المصرى ، الذى يعد بدوره شرطاً أساسياً لتحقيق النمو الاقتصادى المنشود ، الذى يبغيه الإصلاح الاقتصادى بصفة عامة.

(3):تثير سياسات الإصلاح الاقتصادى طائفة من الجدل الحاد بين الباحثين والمتخصصين فى علوم السياسة والاقتصاد وشئون المجتمع ، سواء من حيث مدى ملائمة أو تكامل حزمة هذه السياسات الليبرالية أو من حيث قدرتها على تحقيق الأهداف والآمال والطموحات المنشودة منها ، ولقد تنامى هذا الجدل فى ظل التفاوت فى تطبيق هذه السياسات على المستوى الدولى ، الأمر الذى يتطلب محاولة فهمه من منظور سوسيولوجى لتقييم مستتبعاته الاجتماعية وانعكاساته المباشرة على الواقع المصرى مع التركيز بصفة خاصة على شريحة من فقراء مدينة قنا بصعيد مصر على وجه التحديد.

(4):إن الفهم الصحيح والواضح لأثر سياسات الإصلاح الاقتصادى على فقراء حضر مصر ، ليس أمراً مطلوباً من أجل الإحاطة بتأثيرات هذه السياسات الاقتصادية الكلية على أوضاع التنمية البشرية فى المجتمع المصرى فحسب ، بل لفهم أعمق لجدوى استمرارية تطبيق هذه السياسات فى الواقع المحلى ، ومدى فاعليتها فى فتح الطريق أمام الاقتصاد المصرى لانطلاق تنموية شاملة أو حتى مدى فاعليتها للخروج من أزمته واختلالاته الهيكلية التى كان يعانى منها قبل تطبيق هذه الحزمة من الإجراءات الاقتصادية الليبرالية الانكماشية.

(5):إن أدبيات الإصلاح الاقتصادى داخل نطاق علم الاجتماع الاقتصادى مازالت تتحسس طريقها نحو الشكل النهائى ، وهذا بدوره يفرض تحدياً خاصاً من قبل الباحثين الاجتماعيين فى بلورة كوكبة من المفاهيم الاصطلاحية ، وصياغة وتأسيس عدد من القضايا النظرية القابلة للاختبار الامبريقى فى الواقع المحلى المعاش ، ومن ثم توفير تراكم معرفى يزخر به علم الاجتماع المعاصر وينتفع بحصاده التنمويون وصانعو السياسة فى مجتمعنا المصرى.

(6):إن قضية فقراء الحضر المصرى فى ضوء علاقاتهم بسياسات الإصلاح الاقتصادى ، وآليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية للتداعيات السلبية الناجمة عن تطبيق هذه السياسات ، وميكانيزمات تكيفهم وتعايشهم مع تلك التداعيات الاجتماعية ، لهو أمر يسترعى التقييم ، ويتطلب مزيداً من التحليل والاسهام الجاد من قبل السوسيولوجيين المحليين.

(7):ويرجع اختيارنا لهذا الموضوع إلى قلة الدراسات الأكاديمية الميدانية فى علم الاجتماع المتصدية لأمر علاقة سياسات الإصلاح الاقتصادى بفقراء الحضر المصرى.وإن ما نعتمد عليه من حقائق بخصوص هذه العلاقة مستقاة فى الأساس من جهود بحثية وأوراق عمل نظرية متفرقة وجهتها رؤى متباينة:اقتصادية أو سياسية ، وغابت بالطبع الرؤية الاجتماعية.

ثانياً : المفاهيم الإجرائية الأساسية :

وقد يبدو من الضرورى أن نحدد إجرائياً منذ البداية مدلول مفاهيم أساسية تدور حولها اهتمامات الدراسة الراهنةSadسياسات الإصلاح الاقتصادى ، فقراء الحضر المصرى ، آليات المواجهة ، ميكانيزمات التكيف) سعياً إلى الوضوح الفكرى ومنعاً لأى لبس أو غموض يكتنف محاولة فهمها سوسيولوجياً صحيحاً.

وابتداءً ، نعنى " بسياسات الإصلاح الاقتصادى " ، تلك السياسات الاقتصادية المتضمنة فى برنامج الإصلاح الاقتصادى التى طبقتها الحكومة المصرية منذ أوائل التسعينيات لإدارة الاقتصاد وشئون المجتمع وفقاً لحرية السوق ، وتشمل هذه السياسات على : تحرير الأسعار ، وإلغاء الدعم على الغذاء ، وترشيد الإنفاق الاجتماعى على الخدمات التى تقدمها الحكومة لمواطنيها ، التى تؤثر تأثيراً سلبياً على تكاليف مستوى معيشة الفقراء ، عن طريق تأثيرها على كل من:دخولهم المكتسبة التى يسيرون بها أمور حياتهم المعاشة ، وأسعار السلع التى يقبلون على استهلاكها وخاصة الطعام ، وعلى أسعار الخدمات الأساسية المدعمة كالتعليم والصحة والمواصلات والسكن.وهذا أمر مطلوب الكشف عنه لفهم التداعيات الاجتماعية والتأثيرات السلبية لهذه السياسات الرأسمالية الليبرالية على الشرائح الفقيرة فى الحضر المصرى.

ونشير " بفقراء الحضر المصرى " إلى شريحة اجتماعية تعانى عوزاً وحرماناً مادياً ، تتخذ من أرض الحضر مقراً للسكن وملاذاً للعمل حيث تقطن مناطق أيكولوجية عشوائية فقيرة ، وتمارس مهناً هامشية بسيطة وأنشطة غير رسمية – لا تخضع لأى نوع من أنواع التنظيم الرسمى – لحسابها الشخصى أو لحساب الغير كأجراء.سواء كانت بصفة مؤقتة أو دائمة أو موسمية ، جائلة أو ثابتة ، تدر من خلالها دخلاً أو أجراً متدنياً تستطيع معه – بالكاد – إشباع حاجات أسرتها المعيشية الأساسية.ولهذه الشريحة طريقة خاصة فى الحياة تتضمن ميكانيزمات تتكيف بها مع مصاعب الحياة الحضرية ومتطلباتها الضرورية.

ويقصد " بآليات المواجهة " تلك الأساليب والإجراءات الرسمية وغير الرسمية المقدمة للتدخل بفاعلية إيجابية للتخفيف من وطأة التداعيات الاجتماعية السلبية الواقعة على كاهل فقراء مصر والناجمة عن تبنى سياسات إصلاحية اقتصادية ليبرالية جديدة طبقت منذ أوائل التسعينيات ، وحتى وقتنا الراهن فى محاولة لتزويدهم بشبكات أمان ومنافع اجتماعية تعينهم على مواجهة أعباء الحياة المعاشة على الطريقة الرأسمالية.

ونحدد " ميكانيزمات التكيف " بالحيل وردود الأفعال التى يبتدعها فقراء الحضر المصرى للتعايش مع تداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى بإمكانياتهم المتاحة، وطاقاتهم الذاتية المحدودة.وهذه الحيل هى بمثابة قبول للواقع السائد والناجم عن تبنى توجه اقتصادى ليبرالى حر.هنا أقصد جوانب الرشد والإبداع الشعبى المطروح من قِبل هذه الشريحة الحضرية الفقيرة إزاء هذا الواقع الجديد والمفروض عليهم بمتغيراته وتداعباته السلبية ، ومحاولة التوائم والتعايش معه بمرونة إيجابية من أجل استمرار الحياة.

ثالثاً : انتماءات الدراسة ومجالاتها :

ومن المفيد أن نلفت النظر هنا إلى مجال علم الاجتماع الذى تنحصر فى نطاقه وتنتمى إليه الدراسة الراهنة ، ونستطيع أن نحدد موضوعها وسطاً بين مجالين أساسيين من مجالات علم الاجتماع:أولهما:علم الاجتماع الاقتصادى Economic Sociology : ذلك العلم الذى يهتم بمقارنة التفاعلات والتأثيرات المتبادلة بين ما هو اجتماعى وما هو اقتصادى فى المجتمعات الإنسانية.وحيث أن سياسات الإصلاح الاقتصادى تعد مجموعة متناسقة ومتكاملة من الإجراءات الاقتصادية الليبرالية والتى ينجم عنها مستتبعات اجتماعية سلبية وإيجابية مباشرة وغير مباشرة ، قائمة ومحتمله على الشرائح الاجتماعية فى المجتمع، ولما كان تركيز الدراسة ينصب فى طرح عدد من التساؤلات وإثارة بعض القضايا والإشكاليات المرتبطة برصد واستشراف مردودات تلك السياسات الاقتصادية على أوضاع الشرائح الاجتماعية الضعيفة وفقاً لمقولات ومنظورات سوسيو – اقتصادية.فإن الجانب الأكبر من هذه الدراسة يقع ضمن موضوعات تدخل فى نطاق اهتمام علم الاجتماع الاقتصادى.وثانيهما:علم الاجتماع الحضرى Urban Sociology:وبحكم أن الشرائح الاجتماعية الفقيرة التى خضعت للتحليلات السوسيولوجية النظرية والبنائية والامبريقية تنتمى أيكولوجياً فى الأساس إلى النمط المعيشى الحضرى فى المجتمع المصرى ، إذ تقطن مناطق عشوائية ، وتمارس أنشطتها الاقتصادية الهامشية فى نطاقاته الأيكولوجية الحضرية.لذا فإن علم الاجتماع الحضرى يعد مجالاً خصباً هو الآخر تنحصر فى إطاره متغيرات وأبعاد هذه الدراسة.

رابعاً : أهمية الدراسة :

هذا ، وتكتسب الدراسة الراهنة أهميتها من المكانة التى تحتلها قضية الإصلاح الاقتصادى فى الوقت الراهن سواء على المستوى الأكاديمى داخل النطاق البحثى لعلم الاجتماع المعاصر وفى فكر باحثيه من حيث نواحيها النظرية والمنهجية أو على المستوى المجتمعى التطبيقى نظراً لالتصاقها بطبيعة فقراء الحضر فهى الشغل لدى الساسة ومتخذى القرار فى مجتمعنا لمصرى.

إن إثراء دراسات علم الاجتماع بقضايا أساسية وبحوث غير مغتربة تعبر عن الواقع المعاش وهموم الإنسان فى وطننا المصرى يعد مطلباً ضرورياً ، وضرورة ملحة.وهنا تكمن أهمية إجراء هذه الدراسة فى كونها تثير نوعاً من التحدى المعرفى نظراً لأن سياسات الإصلاح الاقتصادى يرتكز قوامها على حزمة محددة من مقولات الفكر الليبرالى الجديد الذى انطوى على جملة من الإشكاليات النظرية غير المحسومة داخل النطاق البحثى فى علم الاجتماع.ومن ثم فإن الآراء والاجتهادات المتوفرة حولها لازالت تتلمس طريقها نحو الفهم الصحيح لهذه الاستراتيجية التنموية والجدوى من تطبيقها فى الواقع المصرى المحلى المعاش.ولهذا فربما يسهم إجراء هذه الدراسة المتواضعة على المستوى النظرى والمنهجى فى إثراء أطر علم الاجتماع الاقتصادى والحضرى وتعمق الخبرة النظرية والمنهجية بهما ، وقد تطرح حلولاً واقعية لإحدى قضايانا المصرية المحلية ، كما إنها تفيد على المستوى التطبيقى فى تقييم التداعيات الاجتماعية للسياسات الاقتصادية الليبرالية الجديدة على فقراء الحضر المصرى بما يساعد صاحب القرار فى اختيار أكثر السياسات التنموية فائدة وأقلها عبئاً على كاهل المتضررين من فقراء مصر ، وهنا يظهر الدور المستقبلى الذى يمكن أن يضطلع به علم الاجتماع فى مواجهة مثل هذه التحديات ، وتلك التداعيات فى المرحلة المقبلة.

خامساً : أهداف الدراسة :

أما عن الأهداف التى تسعى الدراسة إلى تحقيقها فيمكن تحديدها على النحو التالى:

(1):تأسيس مدخل سوسيولوجى دقيق ومنظم لفهم سياسات الإصلاح الاقتصادى وما ينج م عن تطبيقاتها من تداعيات اجتماعية سلبية على واقع شرائح فقراء مصر بصفة عامة ، وفقراء الحضر المصرى بصفة خاصة.

(2):رصد التداعيات الاجتماعية السلبية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى قى مصر منذ أوائل التسعينيات وحتى الآن على واقع فقراء الحضر المصرى واختبار صدق القضايا والفروض النظرية المؤسسة من المدخل السوسيولوجى.

(3):التعرف على آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية المقدمة لتخفيف من وطأة التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى الواقعة على كاهل فقراء مصر ، واستجلاء مدى استفادة فقراء الحضر المصرى من هذه الآليات.

(4):الكشف عن ميكانيزمات تكيف فقراء الحضر المصرى مع التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى وأوجه إبداعاتهم الرشيدة حيالها.

سادساً : تساؤلات وفروض الدراسة :

ويمكن لنا أن نضع الأهداف السالفة فى صورة تساؤلات وفروض تحاول الدراسة تقديم إجابات كافية حولها ، هى على النحو التالى:

أولاً:تساؤلات خاصة بإمكانية تأسيس مدخل سوسيولوجى دقيق ومنظم لفهم سياسات الإصلاح الاقتصادى وما ينجم عن تطبيقاتها من تداعيات اجتماعية سلبية على واقع شرائح فقراء مصر بصفة عامة ، وفقراء الحضر المصرى بصفة خاصة.

وتتضمن تساؤلاً رئيسياً مؤداه:"هل ثمة تصور سوسيولوجى يمكن طرحه لفهم سياسات الإصلاح الاقتصادى وما ينجم عن تطبيقاتها من تداعيات اجتماعية سلبية على واقع شرائح فقراء مصر بصفة عامة ، وفقراء الحضـر المصرى بصفة خاصة؟".

ثانياً:مجموعة الفروض الخاصة برصد التداعيات الاجتماعية السلبية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر منذ أوائل التسعينيات وحتى الآن على واقع فقراء الحضر المصرى ، واختبار صدق القضايا والفروض النظرية المؤسسة من المدخل السوسيولوجى.

وتتضمن فرضاً رئيسياً مؤداه :"ثمة علاقة سلبية بين تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصرSadسياسة تحرير أسعار ، سياسة إلغاء الدعم على الغذاء ، سياسات خفض الإنفاق الحكومى والحد من دور الدولة فى مجالى الصحة والتعليم) منذ أوائل التسعينات وظهور تداعيات اجتماعية سلبية واضحة على الشرائح الفقيرة فى الحضر".

ويتفرع من هذا الفرض الرئيسى عدد من الفروض الفرعية هى على النحو التالى:

n الفرض الفرعى الأول:"تسهم سياسة تحرير الأسعار ، ولا سيما أسعار الخدمات كالكهرباء ، والمياه ، والمواصلات فى ارتفاع تكاليف المعيشة الخاصة بالطبقة الفقيرة فى الحضر المصرى" .

nالفرض الفرعى الثانى:"من المتوقع أن فقراء الحضر سوف يتأثرون بشدة من سياسة إلغاء الدعم على الغذاء بما يترتب على ذلك انخفاض الوضع الغذائى وتدهور فى المستوى الصحى".

n الفرض الفرعى الثالث:"تعد سياسات خفض الإنفاق الحكومى والحد من دور الدولة فى مجالى:الصحة والتعليم من أهم سياسات الإصلاح الاقتصادى من حيث تداعياتها الاجتماعية السلبية على فقراء الحضر المصرى".

ثالثاً:الفرض الرئيسى الخاص بآليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية المقدمة ؛ للتخفيف من وطأة التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى الواقعة على كاهل فقراء مصر ، واستجلاء مدى استفادة فقراء الحضر المصرى من هذه الآليات المقدمة .

وتتضمن فرضاً رئيسياً مؤداه:"بالرغم من تعدد آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية (شبكات الآمان الاجتماعى)المقدمة للتخفيف من وطأة التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى الواقعة على كاهل فقراء مصر، (ومن بينهم فقراء الحضر) ، إلا أن استفادة هؤلاء الفقراء من منافع تلك الشبكات كانت ضئيلة للغاية ".

رابعاً:الفرض الرئيسى الخاص بميكانيزمات تكيف فقراء الحضر المصرى مع التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى وإبداعاتهم الرشيدة حيالها.

وتتضمن فرضاً رئيسياً مفاده:"هناك علاقة طردية بين ظهور تداعيات اجتماعية سلبية واقعة على كاهل فقراء الحضر ناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر ، وتطوير الفقراء أنفسهم لأنماط ونماذج من الميكانيزمات التكيفية للتوائم والتعايش بمرونة إيجابية مع تلك التداعيات السلبية من أجل استمرار الحياة".

سابعاً : النطاق المكانى والبشرى للدراسة :

وفيما يتعلق بالنطاق المكانى والبشرى ، فقد تم اختيار مدينة قنا بصعيد مصر ، وعينة من فقرائها العاملين بالقطاع غير الرسمى والقاطنين بمناطقها العشوائية الممثلة لأقسامها الأربعةSadالحميدات ، قسم أول ، قسم ثان ، قسم ثالث) لتكون محوراً للتطبيق الميدانى.فى ضوء مجموعة من المبررات العامة منها:تفاقم أوضاع الفقراء فى إقليم الصعيد ممايسترعى أن توجه الدولة مجهوداتها من أجل التخفيف من وطأة آثارها ، وأن هذا الإقليم بحاجة ماسة برامج تنموية تهدف إلى مكافحة الفقر فى الأجلين الطويل والقصير.فضلاً عن انخفاض مستوى معيشة فقراء حضر صعيد مصر بشكل ملحوظ بالمقارنة بمستوى معيشة فقراء حضر الوجه البحرى بصفة خاصة وفقراء حضر مصر على وجه الخصوص.وهى نتيجة لم تثر الدهشة فى ظل استراتيجية التنمية غير المتوازنة وغير العادلة بين الأقاليم المصرية واستحواذ إقليم جنوب الصعيد على نصيب ضئيل منها.ويضاف إلى ما سبق عدد من الاعتبارات الذاتية (الخاصة) والتى يأتى من بينها:قرب مدينة قنا من عمل الباحث فى قسم الاجتماع بكلية الآداب جامعة جنوب الوادى ، ورغبته فى استكمال معالم الخريطة البحثية السوسيولوجية والتى يحاول قسمه الوليد رسمها للمجتمع المتاخم لجامعته والعمل على تنميته فى إطار تنمية جنوب الصعيد بصفة عامة وتحقيقاً لشعار أن تكون جامعة جنوب الوادى فى خدمة مجتمع الجنوب ، وتعمل على تنميته تنمية حضرية رشيدة بناء على أسس علمية مستندة إلى خبرات واقعية ميدانية.

ومن هنا تضافرت لدى الباحث رغبة ملحة فى الاهتمام بدراسة الأوضاع الحياتية المعاشة فى صعيد مصر ، ورصد أحوال شريحة من فقراء مدينة قنا تعمل فى القطاع الهامشى غير الرسمى وتحيا وطأة مشكلات وتداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى والذى شرعت الحكومة المصرية فى تطبيق إجراءاته الليبرالية منذ أوائل التسعينيات حتى الآن.ولذا فإن مجتمع فقراء حضر صعيد مصر مجتمع صالح ميدانى وبكر سوسيولوجى لمعالجة قضية الدراسة الراهنة.

ثامناً : نوعية الدراسة وأساليبها وأدوات جمع بياناتها :

الدراسة الراهنة دراسة وصفية ، استعانت بالمسح الاجتماعى بالعينة ، حيث تم اختيار عينة من أرباب الأسر الفقيرة التى تعمل بالقطاع الهامشى غير الرسمى ، وتقطن بمناطق عشوائية فقيرة تنتمى لأقسام مدينة قنا الأربعة بلغت قوامها (102) رب أسرة ، وروعى فى هذا الاختبار أن يتوافر له عدد من الشروط منها:أن يكون محور التطبيق هو رئيس الأسرة وهو الفرد المسئول عن توجيه السياسة الإنفاقية للأسرة ، ولا يشترط أن يكون أكبر أفرادها سناً ، وقد يكون ذكراً أو أنثى ؛ لأنها الطريقة الفضلى لمعرفة التداعيات الاجتماعية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى والتقاط كافة مؤشرات هذا الواقع عليهم .ولذا نؤكد أن أرباب الأسر الفقيرة هم وحدة ونموذج للتحليل والتفسير فى هذه الدراسة . ومن ثم طبقت عليه استمارة الاستبيان ضمت فى بنودها الخمسة (109) سؤال مفتوح ومغلق، وذلك لتغطى الجانب الكمى من البيانات. أما الجانب الكيفى فقد غطته دراسة الحالات الخمسة المتعمقة. التى خضعت لتطبيق دليل المقابلة ، وكانت هناك أدوات مساعدة انحصرت فى الملاحظة البسيطة .حيث تم ملاحظة النشاط الاقتصادى الهامشى الممارس من قبل أرباب الأسر ورصد أحوالهم المعيشية ، وتم الاستعانة بها أثناء إجراء الزيارات الاستطلاعية الأولية ، وكذا التطبيق النهائى للدراسة الميدانية ، فضلاً عن إجراء مقابلات رسمية وغير رسمية مع المسئولين عن العمل الاجتماعى والشئون الاجتماعية ، والجمعيات الأهلية والأوقاف ، والصندوق الاجتماعي للتنمية ، والتموين ، وشرطة المرافق وغيرها ، وكذا عينة من العاملين بالقطاع غير الرسمى فى مجتمع الدراسة ، والاعتماد على التصوير الفوتوغرافى ، والشرائح ، والتسجيلات بالكاسيت ، وكاميرا الفيديو ، وعدد من الخرائط والأشكال التوضيحية .وتم الاستعانة بالتحليل الإحصائى للبيانات الميدانية والمتمثلة فى مقياس النزعة المركزية (المتوسط الحسابى والانحراف المعيارى) للوصول إلى استنتاجات دقيقة.

تاسعاً : المدى الزمنى ومراحل إنجاز الدراسة :

وفيما يتصل بالمدى الزمنى ومراحل إنجاز الدراسة فيمكننا القول بأن هذه الدراسة استغرق إنجازها قرابة أربعه أعوام أو تزيد قليلاً منذ بداية الاهتمام بها كفكرة سوسيولوجية تصلح للدراسة ، ومن ثم تسجيلها كأطروحة جامعية للحصول على درجة الدكتوراه بمجلس كلية الآداب فى (16/12/1996م) ، ومجلس جامعة عين شمس فى (30/12/1996م) ، وحتى كتابة تقريرها النهائى فى شهر نوفمبر عام (2000م).وخلال هذه الحقبة كان العمل والإنجاز موزعاً وفقاً لخمس مراحل هى: استعراض التراث البحثى المتصل بقضية الدراسة ، الزيارات الاستطلاعية الأولية ، والإعداد للعمل الميدانى ، جمع البيانات ، تصنيف وتفريغ وجدولة وتحليل وتفسير المعطيات المدانية ،. كتابة التقرير النهائى والخروج بمقترحات .

عاشراً : تقسيمات ومحاور الدراسة :

هذا وينبغى الإشارة إلى أن الدراسة الراهنة انقسمت إلى أبواب ثلاثة ، تضمنت ثمانية فصول ، فضلاً عن مقدمة بمثابة مدخل أولى نوقشت من خلالها الاستراتيجية النظرية والمنهجية التى اتبعت لمعالجة قضية الدراسة وتحليل أبعادها ومتغيراتها المتشابكة ، ومفاهيمها الإجرائية ، وأهدافها الأساسية ، وأهميتها النظرية و المنهجية والتطبيقية ، وتساؤلاتها المحورية ، وفروضها الأساسية ، وأساليبها المنهجية ، وأدوات جمع معطياتها الميدانية ، ونطاقتها المكانية ، وعينتها البشرية وكيفية اختيارها ، وأساليبها الإحصائية والتحليلية ، وخطوات ومراحل إنجازها ، والصعوبات التى جابهتها ، وسبل التغلب عليها ، وتقسيماتها ومحتوياتها.

وبإمكاننا الآن توضيح المحاور الرئيسية لهذه الأبواب الثلاثة على النحو التالى :

الباب الأول:تناول الإصلاح الاقتصادى:عالمياً ومحلياً ، أدبياته ، واستراتيجياته فى مصر:ويضم ثلاثة فصولSadمن الأول إلى الثالث) ، خصص الفصل الأول:لتناول اهتمامات عالمية ومحلية بالإصلاح الاقتصادى:عرض تحليلى:بينما يناقش الفصل الثانى:أدبيات الإصلاح الاقتصادى فى مصر:نظرة علم الاجتماع ، وجاء الفصل الثالث:ليعرض استراتيجية الإصلاح الاقتصادى:إجراءاته وسياساته المرتبطة بالفقراء فى مصر :

ويركز الباب الثانى:على فقراء الحضر وتداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى:الرؤى النظرية ، آليات المواجهة ، وميكانيزمات التكيف:ويضم ثلاثة فصول هىSadالرابع والخامس والسادس) ، يهتم الفصل الرابع:بسوسيولوجيا فقراء الحضر:رؤى نظرية:ويتناول الفصل الخامس:شبكات الآمان الاجتماعى وفقراء مصر:آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية ، ويهتم الفصل السادس:بفقراء الحضر بين استجابة التمرد وميكانيزمات التكيف مع تداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى:تحليل بنائى :

أما الباب الثالث(والأخير):فيختص بالدراسة السيولوجية الميدانية:إجراءاتها ومعطياتها ، وينقسم بدوره إلى فصلين (السابع والثامن) ، يعرض الفصل السابع:خطة الدراسة السوسيولوجية الميدانية وإجراءاتها المنهجية ، ويحلل الفصل الثامن (والأخير):سياسات الإصلاح الاقتصادى وفقراء الحضر المصرى:آليات المواجهة وميكانيزمات التكيف:تحليل سوسيولوجى للمعطيات الميدانية .

وتنتهى الدراسة الراهنة بفصل ختامى خصص لاستخلاصاتها ومقتراحاتها ، متبوع بقائمة للمراجع العربية والأجنبية التى رجعت إليها واعتمدت عليها الدراسة ، ملحقة بقائمة أخرى للملاحق ، ضمت ملحقاً خاصاً بأدوات الدراسة الأساسيةSadاستمارة الاستبيان ودليل دراسة الحالة) ، وملحقاً آخر للخرائط والصور الفوتوغرافية والرسوم والأشكال التوضيحية ، وأخيراً ملحقاً لملخص ومستخلص الرسالة بالغتين العربية والإنجليزية.

حادى عشر : صعوبات الدراسة وسبل مواجهاتها :

يتعين علينا أن نشير إلى أن أية دراسة علمية تجابه بجملة من العقبات التى تحد من تحقيق أهدافها كاملة وبصورة مرضية ، ولقد تعرضت الدراسة الراهنة لمثل هذه الصعوبات ، التى نذكر منها على سبيل المثال لا الحصر :

(أ):واجهتنا صعوبة منذ البداية تتمثل فى ندرة الدراسات السوسيولوجية التى تناولت من بعيد أو قريب قضية الدراسة ، وإزاء تلك الصعوبة لجأ الباحث إلى الاعتماد على الدراسات الاقتصادية والسياسية التى كانت إلى حد كبير ذات صلة وثيقة بموضوع الدراسة.حاول بعد ذلك تطويع استخلاصها لخدمة أغراض دراسته السوسيولوجية .

(ب):لم تكن الندرة قاصرة فقط فى تناول المراجع النظرية ، وإنما تعدتها إلى الدراسات والبحوث التطبيقية التى تناولت سياسات الإصلاح الاقتصادى وارتباطها بالفقراء ومحدودى الدخل بوجه عام وشرائح فقراء الحضر بوجه خاص.

(ج):على الرغم من اهتمام الدولة الرسمى بتدعيم إنشاء قاعدة معلومات فى الأقاليم المصرية دعماً لاتخاذ القرار ، وبالرغم من وجود مركز المعلومات تابعاً لمحافظة قنا يحوى على معلومات تفصيلية وبيانات هامة حول محافظة قنا ، إلا أنه لا تتوافر ـ لسوء حظ الدراسة ـ معلومات دقيقة وبيانات إحصائية وتاريخية تمس أحوال فقراء مدينة قنا من حيث توزيعهم المكانى على أقسامها المختلفة أومن حيث أنشطة هؤلاء الفقراء الاقتصادية والمهنية الممارسة داخل النطاقات الأيكولوجية لهذه المدينة.وحتى إدارة التراخيص وشرطة المرافق بمدينة قنا بوصفهما جهات حكومية أنيطت بها مسئولية هذه الجماعات المهنية لم تملك أيضاً قاعدة لبيانات وإحصاءات دقيقة حول هؤلاء المهمشين ، ولو كانت قد توافرت هذه المعلومات الإحصائية لدعمت العمل الميدانى ، وساهمت فى رسم صورة رقمية كمية حقيقية واضحة حول واقع هذه الشريحة الهامشية فى صعيد مصر.

(د): صعوبة استجابة أرباب الأسر الفقيرة بمجتمع الدراسة ، للإدلاء بالبيانات الميدانية ؛ نظراً لأنها تدور حول أمور حساسة ، إذ تغطى الدخل والإنفاق والاستهلاك والعمل والأنشطة الهامشية الممارسة ، وكلها متغيرات تتصل بأحوالهم المعيشية الذاتية.وبذلك تثير الشك ، وتدخل الريبة فى نفوس بعضهم باعتبار الحصول على هذه المعلومات الميدانية تدخلاً مباشراً فى أحوالهم الشخصية.لكن تأكيد الباحث لجمهور بحثه بأن هذه المعلومات التى سوف يدلون بها ستكون فى غاية السرية ، ولن تستخدم إلا فى أغراض الدراسة السوسيولوجية العلمية ، فضلاً عن تعاون القادة المحليين ، وحث هؤلاء على ضرورة الإدلاء بهذه المعلومات كان له الأثر الطيب فى إقناعهم بأهـداف الدراسة ، وفى استجابتهم فى التحليل الأخير لإعطاء البيانات اللازمة لإنجازها.

ومن الطريف فى هذا الأمر ، تغير الحال إلى الضد ، فقد تحولت عدم استجابتهم إلى تعاون مثمر وصل إلى أن الباحث قد عانى من زيادة درجة تودد أفراد عينة الدراسة وترحيبهم الجم به ، وفرط كرمهم معه كعادة أبناء صعيد مصر ، وإصرارهم على تناول مشروب قبل القيام بتطبيق أدوات دراسته.

وبالرغم من هذه الصعوبات حاول الباحث قدر طاقته أن يتلافها، ويحصر دراسته فى إطار يقترب من الموضوعية العلمية.

.. وبعد .. لا يفوتنا هنا أن نشير إلى أنه على الرغم مما قد يؤخذ على دراسة نموذج حضرى واحد يتمثل فى فقراء مدينة قنا كمثال دال على فقراء حضر صعيد مصر ، أو بالأحرى فقراء الحضر المصرى ، إلا أننا نعتقد أن عينة الدراسة فى ضوء خصوصيتهم المعاشة فى حضر صعيد مصر ، تسمح بقدر معقول من الثقة فى طرح مجموعة من التصورات حول قضية الدراسة ، ومن ثم إمكانية تقديم بعض الرؤى والاجتهادات التحليلية السوسيولوجية حول واقع ومستقبل فقراء الحضر فى ظل السياسات الليبرالية الجديدة فى مجتمع الدراسة ، أو بالأحرى المجتمع المصرى.

ثانى عشر : استخلاص النتائج العامة للدراسة فى ضوء تساؤلاتها وفروضها الأساسية :

نورد فيما يلى أستخلاصات النتائج العامة للدراسة فى ضوء أرتباطها بمتغيراتها الأساسية السابق طرحها .

أولاً : فيما يتصل باستخلاصات الدراسة "نظرياً" فى محاولة تقديم إجابة كافية لتساؤل الرئيسى الأول ، والخاص بإمكانية تأسيس مدخل سوسيولوجى دقيق ومنظم لفهم التداعيات الاجتماعية السلبية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى على واقع شرائح فقراء مصر بصفة عامة ، وفقراء الحضر المصرى بصفة خاصة.أظهرت الدراسة الحقائق التالية : كشفت القراءة المتأنية للأدبيات التى اختصت بفهم واقع سياسات الاصلاح الاقتصادى على حالة الفقر وأوضاع الفقراء فى مجتمعات العالم الثالث بصفة عامة ، والمجتمعات العربية بصفة خاصة ، والمجتمع المصرى على وجه الخصوص ، إن تطوير أطر تحليلية وصياغة أدوات تفسيرية ومنطلقات معرفية منهجية ملائمة لدراسة هذه القضية لا تزال فى بدايتها الجنينية.ولعل هذا ليس بمستغرب فى إطار حداثة تطبيق تجارب التثبيت والتكيف الهيكلى (الإصلاح الاقتصادى) فى هذه البلدان من ناحية ، والاهتمام المتأخر الذى أولته المعارف الاجتماعية ومن بينها علم الاجتماع لقضية علاقة سياسات الاصلاح الاقتصادى بأوضاع الفقراء فى هذه المجتمعات من ناحية أخرى ، وأوضحت الدراسة إن العلاقة بين سياسات الاصلاح الاقتصادى والفقر بصفة عامة ، وفقراء الحضر بصفة خاصة تعد علاقة ذات طابع نظرى فى الأساس ، وقد حاولت بعض الرؤى الفكرية التحليلية الاقتراب منها من خلال نظرة كمية ، وباستخدام أدوات وتقنيات إحصائية رقمية قد تكون مفيدة فى رسم صورة تقريبية عامة حول حجم العلاقة بينهما.بيد أنها غير قادرة على الجانب الآخر فى التعامل مع طبيعتها الكيفية التى هى عليها فى الواقع المعاش والتى تستلزم منطلقات تحليلية وتتطلب أدوات تفسيرية مغايرة ، وبذلك أغفلت فى هذا السياق النظرة السوسيولوجية الامبريقية رغم أهميتها القصوى فى إثارة وفهم المصاحبات الاجتماعية والأبعاد الإنسانية التى هى عليها قضية الإصلاح الاقتصادى فى ضوء ارتباطها بالأوضاع المعيشية لفقراء الحضر المصرى.

ومن المناسب فى هذا المقام الإشارة إلى توجهات الدراسة السوسيولوجية الراهنة ونظرتها التحليلية إزاء سياسات الإصلاح الاقتصادى وما يرتبط بها من تداعيات اجتماعية سلبية تظهر ملامحها بجلاء على الواقع المعاش للشرائح الاجتماعية الفقيرة، ولعل أقل ما يقال هنا أن الدراسة لا تزعم بأمر العلاقة السببية القائمة بين سياسات الإصلاح الاقتصادى والفقر بصفة عامة والفقر الحضرى ، فالفقر فى حضر مصر ليس جديداً أو مستحدثاً ، ولا يمكن إرجاع وجوده بصورة كلية إلى تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر منذ أوائل التسعينيات ، لأن الفقر بشقيه الحضرى والريفي موجود فى مصر قبل تطبيق إجراءات هذه السياسات التقشفية ، ويرد إلى أزمات هيكلية اقتصادية ، وظروف بنائية متزامنة وأوضاع تاريخية مرتبطة بالسياق العام المعاش ، وباختصار شديد فالفقر فى أى مجتمع من المجتمعات الإنسانية ومن بينها مصر يعكس طبيعة التطور الاجتماعي والاقتصادي والسياسى والثقافى السائد فى هذا المجتمع.بيد أن تطبيق مثل هذه الإجراءات الاقتصادية الليبرالية الغربية ذات الطبيعة الانكماشية والتقشفية المسماة بسياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر قد أسهمت هى الأخرى فى تزايد إيقاع الأضرار بالفقراء ومحدودي الدخل ، وإضافة حرمان جديد على حرمانهم القائم ، وبذلك أضعفت من قدراتهم فى الحصول على ضروريات الحياة الأساسية الخاصة بوجودهم الاجتماعى.ومن ثم فإن الإطار النظرى للدراسة المقترح يهتم فى المحل الأول والتحليل الأخير بطرح تساؤلات محورية وصياغة فروض نظرية وموجهات إجرائية حول التداعيات الاجتماعية السلبية يأمل فى اختبارها.

وعلى هذا النحو سلكت الدراسة مسلكاً تحليلاً ومنحى منهجياً يتمثل قوامه فى ضرورة الاقتراب من الواقع الميدانى ، وملامسة الظروف الحياتية المعاشة لشرائح الفقراء والمهمشين فى المجتمع المصرى الذين يحيون فى ظل وطأة سياسات الإصلاح الاقتصادى.فنظراً لافتقار دراسات وبحوث الاصلاح الاقتصادى إلى خبرات ميدانية ورؤى تحليلية سوسيولوجية محلية نقيّم من خلالها التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الاصلاح الاقتصادى والمرتبطة بالفقر وأحوال الفقراء فى مصر كما تبدو فى واقعهم الفعلى المعاش.فإن الدراسة الحالية حاولت- بتواضع شديد – تطوير مدخل سوسيولوجى تنظر من خلال قضاياه لأثر تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى على فقراء الحضر المصرى منذ أوائل التسعينيات وحتى فترة تطبيق إجراءات الدراسة الميدانية، وذلك انطلاقاً من فكرة "مصفوفة المؤشرات الاجتماعية الاجرائية" المنبثقة عن حزمة سياسات الاصلاح الاقتصادى : (سياسة تحرير الأسعار ، سياسة إلغاء الدعم على الغذاء ، سياسات خفض الإنفاق الحكومى والحد من دور الدولة فى مجالى الصحة والتعليم) ، والسابق تناولها بإسهاب فى إطار الدراسة النظرى ، تبقى بحاجة ماسة إلى الاختبار والتدقيق عبر فروض إجرائية تعبر عن متغيرات وقضايا هذه السياسات المؤسسة سعياً بها إلى الاقتراب بصورة أكثر واقعية من أوضاع فقراء مصر بصفة عامة ، وفقراء حضرها على وجه الخصوص ، وتلمس أحوالهم الحياتية فى خضم تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى كما تبدو فى الواقع الميدانى المعاش دون تزييف أو مغالاة أو إصدار أحكام تأملية أبستمولوجية مسبقة منعزلة ، وبذلك تصل الدراسة عبر هذا التصور إلى تقييم سوسيولوجى عيانى ميدانى رصين تزاوج من خلاله الدراسة بين مستويين منهجيين ونظرتين تحليليتين إحداهما:نظرة كلية كميــة (تستعين من خلالها بتطبيق أداة الاستبيان على عينة الدراسة الكلية من فقراء مدينة قنا بصعيد مصر والتى يعمل أربابها بأنشطة هامشية غير رسمية ، ويقطنون بمناطق سكنية عشوائية متدهورة تنتمى أيكولوجيا للأقسام الإدارية الأربعة لهذه المدينة) ، أما النظرة الأخرى ، فهى نظرة جزئية كيفية (تحاول من خلالها الدراسة تطبيق أداة المقابلة المتعمقة على حالات بحثية منتقاة من عينة الدراسة الكلية التى أخضعت لتطبيق الاستبيان) ، وذلك لجمع معطيات وشواهد واقعية لإمكانية تحليلها وتفسيرها ، وبعد ذلك يساعد التحليل الإحصائى المتمثل فى المتوسط الحسابى والانحراف المعيارى لهذه المؤشرات المعبرة عن سياسات الاصلاح الاقتصادى على رؤيتها – أولاً – بصورة جزئية (كما وردت بأسئلة وبنود استمارة الاستبيان ودليل مقابلة الحالات البحثية المتعمقة المختارة) ، ثم تصورها ثانيةً بصورة مجمعة تفصيلية كما وردت فى صياغة الفروض المعبرة عن مؤشرات هذه السياسات ، وبذلك ترصد الدراسة للتداعيات الاجتماعية السلبية الواقعة على كاهل فقراء حضر صعيد مصـر ، أو بالأحرى فقراء الحضر المصرى من جراء تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى ضوء معطيات ونتائج تصور هذا المدخل السوسيولوجى المصرى المحلى المؤسس.لقد أفلحت المؤشرات العيانية المستقاة من قضايا هذا المدخل فى إماطة اللثام عن أوجه التداعيات الاجتماعية وذلك فى ضوء المحتوى التفسيرى والتى عبرت عن النتائج والاستخلاصات التى جمعتها وتوصلت إليها الدراسة السوسيولوجية الميدانية والمحققة لفروض المجموعة الثانية سواء الفرض الإجرائى الرئيسى أو فروضه الفرعية الأخرى على نحو ما سنرى بعد قليل.

ثانياً : فيما يتصل بنتائج مجموعة الفروض الخاصة برصد التداعيات الاجتماعية السلبية الناجمة عن تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر منذ أوائل التسعينيات وحتى الآن على واقع فقراء الحضر المصرى ، واختبار صدق القضايا والفروض النظرية المؤسسة من المدخل السوسيولوجى بالتحقق الميدانى منها ، تدل نتائج واستخلاصات الدراسة فى مجملها على صحة هذه الفروض الاجرائية. وفى هذا السياق أوضحت المعطيات الميدانية أن أكثر من ثلثى عينة الدراسة ( 78 أسرة بنسبة 76.47% ) قد تدهورت ظروفهم المعيشية عقب تطبيق إجراءات السياسات الاقتصادية المطبقة منذ التسعينيات ، وقد أرجعت هذا التدهور فى المستوى المعيشى إلى عوامل معتادة من قبل التضخم والركود الاقتصادى الناجمين عن تطبيق برنامج الاصلاح الاقتصادى ، حيث أكد أرباب أسر عينة الدراسة جميعهم بعدم وجود دخل كاف تتعايش من خلاله هذه الأسر ، وفشل مشاريع الصندوق الاجتماعي فى تخفيف معاناة الأسر الفقيرة فى مصر ، وارتفاع خدمات التعليم والصحة وأسعار الغذاء .
avatar
ابراهيم فاروق هيكل
Admin

عدد المساهمات : 3072
تاريخ التسجيل : 04/11/2010
العمر : 59
الموقع : http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

رد: سياسات الإصلاح الاقتصادي وفقراء الحضر المصرى

مُساهمة من طرف ابراهيم فاروق هيكل في الجمعة أكتوبر 14, 2011 8:41 am


وأشارت الغالبية العظمى من أرباب أسر عينة الدراسة ( 91 أسرة بنسبة 89.21% ) إلى وقوف الدولة باهتماماتها الاقتصادية فى صف الناس الغنية التى تمتلك مقومات الثروة داخل مصر ، وكذلك المستثمرين من العرب والأجانب ، وأن الدولة بذلك قد تخلت عن الفقراء الذين يقع عليهم عبء تحمل التكلفة المرتفعة لتطبيق برنامج الإصلاح الاقتصادى .

ولعل الأمر السابق ، يبدو بصورة أكثر وضوحاً حينما نتناول فى الجزء التالى النتائج والاستخلاصات التى وافتنا بها الدراسة الميدانية والتى تتعلق باختبار صدق القضايا والفروض الإجرائية الفرعية الثلاثة التى أسستها .

لقد تحقق صحة الفرض الفرعى الأول حيث أظهرت نتائج الدراسة أن شركة الكهرباء ومرفق مياه الشرب قد تخصخصا وآلت ملكيتهما إلى القطاع الخاص ، وأن مرفق المياه والكهرباء لم يطرأ عليهما أى تطورات أو تحسينات ورغم ذلك فأن أسعار خدماتهما فى ارتفاع وتزايد مستمرين ، وحمل بعض أرباب أسر عينة الدراسة الحكومة فى تزايد تكلفة هذه الخدمات ، حيث إنارتها للشوارع طوال الليل وبعض أوقات النهار، وأن المصالح الحكومية لا تدفع كهرباء ولا مياه وتحمّل تكلفتها على كاهل الفقراء ومحدودى الدخل فى مصر ، وأن ثمة تقديراً جزافياً للخدمات كمياه الشرب لا يعكس بالضرورة القيمة الحقيقة لما يستهلكه الفقراء من هذه الخدمات.

وعلى جانب أخر ، أوضحت النتائج عجز معظم أرباب الأسر الفقيرة (فى مجتمع الدراسة) ( 88 أسرة بنسبة 86.28% ) عن عدم استخدام وسيلة مواصلات فى تنقلاتها الداخلية نظراً لما تتطلبه من نفقات مادية لا تتوافر لها . وأوضحت أن هذه التنقلات قد زادت أسعارها وارتفعت عقب تطبيق إجراءات الإصلاح الاقتصادى ، مما يعنى وجود علاقة ارتباطية بين ارتفاع أسعار الوقود (البنزين والجاز) وأثر ذلك فى ارتفاع تكلفة المواصلات الداخلية .



لقد خلصت الدراسة إلى نتيجة هامة مؤداها :أن التدهور الذى طرأ على مستوى معيشة شرائح فقراء الحضر المصرى يبدو جلياً ليس فقط فى النظر إلى الارتفاع المتصاعد فى أسعار الخدمات كالكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحى وارتفاع أسعار الوقود وانعكاس ذلك فى ارتفاع تكلفة المواصلات الخاصة بالفقراء، وإنما أيضاً في الربط بين هذا الارتفاع المتصاعد والمتصارع لأسعار هذه السلع والخدمات ، فى مقابل ثبات ـ إن لم يكن انخفاضاً ـ فى ثمن (قيمة) العمل الحقيقى للفقراء وما ينجم عن ذلك من تدنى مستويات الدخول التى يسيّرون بها متطلبات حياتهم اليومية المتحررة الثمن والقيمة أيضاً.والنتيجة النهائية ارتفاع ملحوظ ومتصاعد فى تكاليف مستوى معيشتهم عن ذى قبل.(أقصد بذلك قبل تطبيق سياسات وإجراءات الإصلاح الاقتصادى فى مصر منذ أواخر الثمانينات وأوائل التسعينيات).

وتحققت صحة الفرض الفرعى الثانى حيث أظهرت نتائج الدراسة أنه بالرغم من الفائدة الملموسة للدعم على المستوى الغذائى للأسر الفقيرة فى مصر ، حيث كان الدعم يسهم فى تحقيق معدلات مرتفعة من السعرات الحرارية للأسر المستفيدة من مخصصاته الغذائية المدعومة وما ينجم عنها من آثار على المستوى الصحى بصفة عامة ، حيث يوفر تغذية مناسبة بسعر معقول يتلاءم وظروف الأسر المصرية الفقيرة ، بيد أنه عقب تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى وتقليص مخصصات الدعم فقد ترك آثاراً وخيمة على هؤلاء الفقراء فى غذائهم ومن ثم صحتهم ، وقد جاءت النتائج لتشير إلى ذلك ، حيث كشفت عن أن نسبة كبيرة من أرباب الأسر (عينة الدراسة) ( 85 أسرة بنسبة 83.33% ) تستفيد من برامج دعم الغذاء الذى توفره الدولة لمواطنيها محدودى الدخل وذلك عن طريق حيازة بطاقات تموينية ، والذى بلغ عدد الأفراد المقيدين بها فى أسر عينة الدراسة (428) فرد تقريباً ، بانحراف معيارى قدره ( ±2.3) فرد ، وعلى الرغم من وجود نسبة مرتفعة من أرباب الأسر المعيشية فى مجتمع الدراسة تحوز بطاقات تموينية ، وتزايد أعداد المقيدين بها ، ألا أن نسبة كبيرة من أرباب هذه الأسر التى تحوز هذه البطاقات لا تصرف شيئاً على بطاقاتها التموينية شهرياً ، وقد أوضحت نتائج الدراسة بأن الكمية المنصرفة فى حالة صرف الأسر المعيشية لها لا تكفى من حيث الكميات .

وخلصت الدراسة إلى أن الاتجاه الحكومى السائد لا يتجه نحو إضافة أوضم أفراد جدد إلى البطاقات التموينية ، وإنما يدعم تقليل وتقليص عدد الأفراد المقيدين بها وحذف بعضهم فى حالة الزواج أو الوفاة . وأوضحت المعطيات الميدانية أنه نتيجة لآثار سياسات الإصلاح الاقتصادي ، وما نجم عنها من ارتفاع متصاعد لأسعار السلع الغذائية نتيجة لإلغاء الدعم عنها ، تخلى الفقراء فى مصر عن إعداد وصنع الخبز داخل بيوتهم ؛ لأنه يستلزم شراء الدقيق الحر غير المدعم المرتفع الثمن ؛ ولذا تلجأ غالبية أسر عينة الدراسة ( 86 أسرة بنسبة 84.31% ) إلى شراء الخبز جاهزا ً؛ مبررين ذلك بأن صناعة الخبز وإعداده داخل المسكن تستلزم توفير سيولة مادية لشراء الدقيق الحر غير المدعم لا تتوافر معهم .

وكشفت الدراسة عن تصوراتهم المستقبلية وكيفية تصرفهم فى حالة ارتفاع أسعار الخبز (المدعم) ، وهو شيئ وارد حدوثه فى ظل تطبيق إجراءات الإصلاح الاقتصادى ، حيث جاءت استجاباتهم بأنهم سوف يقللون من معدلات استهلاكهم من العيش البلدى (الأسمر أبو خمسة قروش أو ما تطلق عليه عينة الدراسة العيش المصرى) فى حالة رفع أسعاره مستقبلاً .

وأظهرت عينة الدراسة مخاوفها من قضية إلغاء الدعم وتأثيره على معيشة فقراء مصر ، حيث أكدت أن مثل هذا الإجراء لو تم سوف يؤثر على الناس الغلابة فى مصر ، وجاءت كلماتهم معبرة عن ذلك:"إلغاء الدعم ده هيأثر على معيشة الناس دى ، علشان الغلبان معندوش مادية (دخل) يشترى بيه من بره ، ودعم الدولة سند ليه ، ولو غلى العيش هيحصل فيه مجاعة ، والسرقات تكتر ، والناس الغلابة مش هتلاقى تاكل ، وهتدور تشحت ، وهيبقى فيه جفاف وهتبقى العيشة أسود من الأول ، والغلبان هيضيع فى الرجلين".

لقد أفصحت استجابات الدراسة الميدانية أن (85.26%) من أسر عينه الدراسة لا تستطيع توفير غذاء مناسب بسعر معقول لأفراد أسرتها الفقيرة الأمر الذى ينعكس على مستواهم الصحى ، ويسهم فى إصابتهم ببعض أمراض نقص وسوء التغذية ، وأشارت نتائج الدراسة إلى أن متوسط الانفاق العام على الطعام شهرياً بلغ (100.2) جنيه مصرى ، بانحراف معيارى( ± 35) جنية شهرياً ، كما أظهرت الدراسة بعد ذلك حقيقة هامة وهى تأكيد عينة الدراسة على وجود علاقة ارتباطية بين نقص الأغذية وتكرار أنواع معينة فى الوجبات الثلاث وإصابة الفقراء فى مصر بأمراض نقص وسوء التغذية ، حيث جاءت إجابتهم تؤكد على أن الكثيرين من أفراد أسرهم قد تعرضوا لأمراض نقص وسوء التغذية.

خلاصة ما سبق ، يمكن القول بأن النسب الكمية والمعطيات الكيفية التى جمعتها الدراسة الميدانية سابقاً تشير إلى التدهور النسبى فى مستوى التغذية ومن ثمة الحالة الصحية أو بالأحرى المستوى المعيشى لفقراء الحضر المصرى ، الأمر الذى يوضح دور سياسات الاصلاح الاقتصادى وخاصة سياسة إلغاء الدعم على الفقراء فى هذا الهدر وذلك التدهور الواقع عليهم .



أما الفرض الفرعى الثالث فقد تحققت صحته ،إذ أوضحت المعطيات الميدانية أنه على الرغم من أهمية الخدمات الصحية العامة المقدمة للفقراء فى مصر حيث أكد أكثر من ثلثى عينة الدارسة ( 87 أسرة بنسبة 85.26% ) لجوءهم فى حالة المرض إلى المؤسسات الحكومية لتلقى العلاج وذلك لملاءمتها لدخولهم المتدنية فى مقابل ارتفاع مستويات أجور الأطباء أو بالأحرى الخدمة الطبية الخاصة والتى تلجأ اليها نسبة ضئيلة من عينة الدراسة مضطرةً ( 3 أسر بنسبة 2.95% )، لقد جاءت نتائج أسباب تفضيل أسر عينة الدراسة لتلقى منافع هذه الخدمة الصحية الحكومية العامة لأنها من وجهة نظرهم (3ر48%) ملجأً وملاذاً أساسياً للفقراء ، وأنه ليس هناك بديل عن هذا العلاج الحكومى (8ر13%) ، وأن السيولة المادية وعدم توافرها (9ر37%) كانت عائقاً فى سبيل لجوء بعض أسر عينة الدارسة إلى العلاج الخاص مرتفع القيمة والتى لا تفضّله الأسر الفقيرة إلا فى حالة الضرورة القصوى .

وتأسف عينة الدراسة لتدهور الخدمة الصحية العامة منذ تطبيق سياسات الاصلاح الاقتصادى ، حيث أفادت نسبة كبيرة من أرباب أسر عينة الدارسة ( 65 أسرة بنسبة 74.71% ) بأن الخدمة الصحية العامة تدهورت وأصبحت تقدم بمقابل مادى بصورة مباشرة (أجر مقابل الخدمة) ، أو بصورة غير مباشرة (شراء أدوية من خارج المستشفيات ، عمل أشعة فى بعض الحالات خارجياً فى المراكز الطبية الخاصة) ، وبذلك تدنت الخدمة الصحية رغم أهميتها القصوى للفقراء ، نتيجة لارتفاع أسعار الدواء والمدخلات المستوردة بسبب سياسة تحرير سعر الصرف (إحدى إجراءات الاصلاح الاقتصادى أيضاً).

لقد ربطت أسر عينة الدارسة بين أوضاعها الاقتصادية المتردية فى ظل تطبيق إجراءات الاصلاح الاقتصادى وانتشار وشيوع أمراض سائدة بين الكبار والصغار فى مجتمع الدراسة ، إذ جاءت الأمراض الصدرية (حساسية الصدر والسعال) ، نتيجة لطبيعة مورفولوجية المسكن المتدهور وضيق مساحته وعدم نظافته وسوء تهويته ، أكثر الأمراض انتشاراً بين الكبار، بينما كانت أمراض الأنيميا (الضعف العام) ، نتيجة لسوء نوعية التغذية وذلك لعدم التوازن الغذائى هى أكثر الأمراض انتشاراً بين الصغار.

وإذا ما انتقلنا إلى مجال التعليم ، فإن نتائج الدارسة جاءت لتؤكد أيضاً على أن لسياسات الاصلاح الاقتصادى انعكاسات سلبية على تعليم أبناء الطبقة الفقيرة وعلى عدالة توزيع الفرص التعليمية بينهم ، ولاسيما عقب تطبيق هذه الاجراءات الاقتصادية التقشفية ، فنظراً لأن الفقراء أصلاً يعانون من انخفاض الخدمة التعليمية ولا يستطيعون تحمل نفقات الدروس الخصوصية أو مجموعات التقوية ويتضاعف العبء ويزداد الحمل المادى بتعدد الأبناء والمواد التى يحصلون فيها على دروس خصوصية طوال العام الدراسى ، ونتيجة لاتساع ظاهرة الكتب الخارجية التى يقبل عليها الطلاب بل يطلبها المدرسين لتدنى مستوى الكتب المدرسية الحكومية مما يؤثر على تسرب أبنائهم عادةً من التعليم وعدم المواصلة فيه ولجوئهم الى سوف العمل مبكراً.

لقد كشفت نتائج الدراسة على أن عدد الملتحقين بالتعليم النظامى فى عينة الدراسة قد بلغ (207) فرد ، بمتوسط عام (02ر2) فرد ، بانحراف معيارى قدره(± 16ر1)، وأن أكثريتهم ملتحقون بالتعليم الابتدائى (4ر46%) ،يليهم الملتحقون بالتعليم الإعدادى (25.6%).

وعلى جانب أخر ، كشفت الدارسة عن نوعية المشكلات السائدة باعتبارها تلقى الضوء على سلبيات البناء التعليمى فى مصر إبان تطبيق إجراءات الإصلاح الاقتصادى، وفى هذا الخصوص أظهرت بيانات الدراسة أن المشكلات الاقتصادية هى الغالبة وتمثل أكثر المشكلات تكـراراً ، حيث جاءت كثرة المصاريف الدراسية ( بنسبة 34.15% )، وتفشى الدروس الخصوصية (بنسبة 25.6% ) فى مقدمة المشكلات التعليمية لأبناء الأسر الفقيرة (عينة الدراسة) ، وأكدت نتائج الدراسة على أن أبناء الطبقات الاجتماعية المقتدرة مادياً هم الأقدر على دفع أجور الدروس الخصوصية الباهظة والمكلفة ومن ثم يمكن لأبنائهم الاستيلاء على معظم الأماكن فى التعليم العام وعلى حجز مقاعد عديدة فى كليات القمة ، وليس الحال كذلك بالنسبة لأبناء الطبقات الاجتماعية الفقيرة والتى لا تمتلك المقدرة المادية ، ويشكل الإنفاق على التعليم عبئاً ثقيلاً يقع على كاهلهم ولاسيما مع تزايد نفقات أعباء ال حياة الأخرى ، والتى هى فى تصاعد مستمر منذ الائتمار بقوى وآليات السوق الحر الليبرالى (سياسات الاصلاح الاقتصادى).

لقد أظهرت المعطيات الميدانية أن أكثر من نصف أسر عينة الدراسة الملتحقة بالتعليم يوجد لديها أفراد يحصلون على دروس خصوصية ، وبذلك تتحمل هذه الأسر عبء تكلفتها المرتفعة فى الوقت الذى تعجز فيه دخولهم المتدنية عن الإيفاء بها ، ورغم ذلك يسعون جاهدين لتوفير هذه النفقات حتى لو اضطرتهم الظروف إلى الاستدانة من الغير .

وكشف الدراسة بعد ذلك عن أن البناء التعليمى فى مصر يعانى من مشكلة تزايد حالات التسرب من مرحلة التعليم الابتدائى ولاسيما بين أبناء الطبقات الفقيرة حيث أكد أكثر من نصف جمهور الدراسة أن لديهم أفراد تسربوا من التعليم .وقد أرجعت عينة الدراسة هذا الأمر إلى ارتفاع مصـاريف الملابس والأدوات والدروس الخصــوصـية (2ر27%)، وارتفاع مصاريف التعليم والوظيفة مش مضمونة معاً (1ر24% ).



صفوة القول ، أكدت معطيات الدراسة الميدانية على أن الاستجابات التى أبدتها عينة الدراسة جاءت معبرة عن حجم الأضرار التى لحقت بها فى النواحى الصحية والتعليمية من جراء تطبيق إجراءات السياسات الاقتصادية الليبرالية ذات الطبيعة الانكماشية السلبية على الفقراء.

وبكلمات موجزة تخلص الدراسة إلى أن انخفاض الإنفاق الاجتماعي العام (المخصصات المالية) على التعليم والصحة بالنسبة للفقراء فى حضر مصر ، يعنى عدم استمرار أبنائهم فى التعليم ، ومن ثم تسربهم مبكراً منه وعدم حصولهم على الخدمات الصحية العامة بصورة جيدة لانعدام قدرتهم المادية فى الحصول على هذه الخدمات بمقابل الأمر الذى يسهم فى تدهور حالتهم الصحية.ولنا أن نتصور كيف يسهم الإنسان المريض فى كسب قوت يومه بيومه والذى يكفل به ومن خلاله متطلبات أفراد أسرته المعيشية ، وكيف يسهم هذا المريض فى الإنتاج القومى وإدارة عملية التنمية ولاسيما ونحن على أفاق قرن جديد.

ومهما يكن من أمر ، ينبغى أن نشير إلى أنه لا يجوز أن نحمل سياسات الاصلاح الاقتصادى التى طبقت فى مصر منذ أوائل التسعينيات المسئولية الكاملة بمفردها فى تدهور الأوضاع الحياتية لفقراء الحضر المصرى ، ذلك إن جانباً كبيراً من هذا التدهور قد حدث بالفعل إبان السنوات الماضية فى ظل أزمات اقتصادية هيكلية مزمنة سادت قبيل تطبيق سياسات الاصلاح الاقتصادى ، بيد أننا نقرر فى الوقت ذاته ، إن تطبيق إجراءات هذه السياسات الليبرالية الغربية سرعان ما عجل و بشدة من هذا التدهور الذى لحق بالأوضاع الحياتية للشرائح الاجتماعية فى الحضر ، وغيرها من شرائح الضعفاء فى المجتمع المصرى.

ثالثاً:فيما يختص بنتائج الفرض الرئيسى الثانى الخاص بآليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية (شبكات الآمان الاجتماعى) المقدمة للتخفيف من وطأة التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى الواقعة على كاهل فقراء مصر، واستجلاء مدى استفادة فقراء الحضر المصرى من المنافع الاجتماعية لهذه الآليات المقدمة.

تدل نتائج واستخلاصات الدراسة فى مجملها على صحة الفرض الإجرائي حيث أوضحت المعطيات الميدانية أنه بالرغم من وجود محاولات رسمية (حكومية) تجرى فى مصر لتوفير آليات لشبكة آمان اجتماعى تساعد الفقراء.ولعل أبرز هذه المحاولات التقليدية تتمثل فيما تقدمه وزارة الشئون الاجتماعية وهيئة الأوقاف المصرية من مخصصات مالية شهرية لفئات المحتاجين من الفقراء سواء اتخذت صورة معاش شهرى مستمر ، أو إعانة عاجلة ومؤقتة تُقدَم عند الحاجة أو فى المواسم ، فضلاً عن محاولات حكومية أخرى مستحدثة طُرِحت مع بدء تنفيذ إجراءات الإصلاح الاقتصادى وبدأت على وجه التحديد فى يناير (1991م) وتمثلت فى الصندوق الاجتماعى للتنمية وما يقدمه من قروض ومنح استهدفت تسهيل تنفيذ إجراءات الإصلاح الاقتصادى والتخفيف من حدة الآثار السلبية المطبقة لسياسته والواقعة على كاهل الطبقات الفقيرة ، إلا أن هؤلاء لم يستفيدوا من هذه المنافع الاجتماعية الحكومية الرسمية ، حيث كشفت المعطيات الميدانية عن أن أكثرية عينة الأسر محور الدراسة الميدانية (89 أسرة بنسبة 87.24%) لم تستفد من المعاشات التى تقدمها الشئون الاجتماعية ، وأن الغالبية العظمى من أسر عينة الدراسة (97 أسرة بنسبة 95.10%) لم تستفد من أى معاشات التأمينات الاجتماعية سواء معاش التأمين الاجتماعى الخاص بأرباب الأعمال والعمال فى القطاع غير المنظم (القطاع غير الرسمى) ويسمى بالقانون (112) لسنة (1980) ، أو معاش السادات .

كما أظهرت نتائج الدراسة أن غالبية أسر عينة الدراسة لم تستفد من الإعانات أو المعاشات التى تقدمها الأوقاف للفقراء والمحتاجين فى هذه المدينة (101أسرة بنسبة 99.02% ) أقرت بأنها لم تحصل على هذه المساعدات .

لقد بيّنت الدراسة أن نسبة كبيرة من أرباب أسر المعيشية التى درستها قد أظهرت عدم جدوى آليات المواجهة الرسمية (المعاشات والإعانات) الحكومية؛نظراً لقلة عائدها المادى فى التخفيف من مصاعب الحياة ، حيث أوضحت ذلك (84 أسرة بنسبة 82.36%) أن هناك أسباباً عديدة تقف عقبة فى سبيل الحصول على هذه المساعدات أو الإعانات الحكومية يمكن أن نرتبها وفقاً لأهميتها النسبية على النحو التالى:المساعدات قليلة جداً ولا تكفى متطلبات المعيشة بنسبة (72.55%) ، ثم إجراءات الحصول على هذه المساعدات الحكومية معقدة بنسبة (17.65%) ، يليها من حيث الأهمية لا أعرف كيفية الحصول على هذه المساعدات بنسبة (7.84%)، وأخيراً جاء ضرورة وجود واسطة من أجل صرف هذه المساعدات بنسبة (1.96%).

وأملت الدراسة فى إعادة النظر فى مخصصات هذه المساعدات وزيادتها ، وضرورة تبسيط إجراءات الحصول عليها ، وضمان استمراريتها وعدم تأخير صرف هذه الإعانات نظراً لتضرر أرباب الأسر فى مجتمع الدراسة نتيجة لتأخر صرف هذه المعاشات فى شهور فبراير ومارس وإبريل من عام (2000م) حيث أثرت حالة الركود وأزمة السيولة فى عدم حصولهم على معاشهم الضماني الشهرى لعدم وجود مخصصات مالية من وزارة الشئون الاجتماعية بالقاهرة .

وتوصى الدراسة بضرورة عدم التأخير فى صرف هذه المعاشات مرة أخرى لما تمثله من مصدر أساسى لتسيير أمور هؤلاء الفقراء ، كما تقترح الدراسة عمل رقم قومى لمستفيدى معاشات الضمان الاجتماعى أسوة بما هو متبع فى هيئة التأمين الاجتماعى ، حتى لا يتكرر التضارب والازدواجية فى صرف المعاشات الضمانية مع صرف معاشات حكومية رسمية أخرى.

وعلى اعتبار أن الصندوق الاجتماعى للتنمية آلية أنشئت فى المحل الأول لاستهداف فئات محدودى الدخل الذين تضرروا من جراء تطبيق حزمة سياسات الإصلاح الاقتصادى التقشفية على نحو ما سبق ذكره ، فأن الدراسة الميدانية أظهرت أن أكثرية أرباب الأسر المعيشية الفقيرة بمدينة قنا (94.11%) لم يعلموا بوجود الصندوق الاجتماعى بمدينة قنا ، ومن ثم لم يستفيدوا من الخدمات التى من المفترض أن يقدمها الصندوق لهم ، لأنهم لم يلجأوا إليه إطلاقاً نظراً لعدم إدراكهم وجودة فى الأصل ومعرفتهم إياه ، حيث أبانت بيانات الدراسة أن غالبية أسر عينتها (100) أسرة معيشية بنسبة (98.04%) لم تستفد من مشروعات الصندوق الاجتماعى بمدينة قنا .

وكشفت الدراسة بعد ذلك عن أسباب إحجام وعدم استفادة هذه الأسر من مشروعات الصندوق حيث جاءت فشل العديد من مشروعات الصندوق وعدم قدرة أصحابها على سداد القـرض (32%) ، شروط الصندوق وضماناته صعبة (21%) ، الشعور بالخوف لكثرة شكوى المتعاملين مع الصندوق الاجتماعى (13%) ، كثرة المستندات وصعوبة استخراجها من أجل الحصول على القرض (11%) ، ارتفاع قيمة القسط المطلوب سداده وسعر الفائدة على القرض (10%) ، من بين أبرز هذه الأسباب .

والواضح أن الأسباب السالفة التى أبدتها عينة الدراسة تشير إلى ضرورة مراجعة المسئولين عن الصندوق الاجتماعى للتنمية فى المجتمع المصرى للإجراءات المختلفة لمنح القروض وتبسيطها من أجل مساعدة محدودى الدخل والانحياز إليهم بالفعل لأن الغاية من نشأة الصندوق تكمن فى ذلك.غير أن من الملاحظ أن مشروعاته وبرامجه وضماناته لا تستهدف سوى الأغنياء والميسورين فى المجتمع المصرى وليست الفقراء والمحتاجين ، حيث أوضحت المعطيات الميدانية أن النسبة الكبيرة من أرباب أسر عينة الدراسة (89 أسرة معيشية بنسبة 87.26%) أقرت بأن عائد مشروعات وبرامج الصندوق الاجتماعى للتنمية فى مصر تعمل لصالح الشرائح الاجتماعية الغنية فى المجتمع المصرى ، ويعللون ذلك بأن الإجراءات التى يحتاجها الصندوق وضماناته من أجل الحصول على القرض لإقامة إحدى مشروعاته تشير إلى ذلك .

وتقترح الدراسة ضرورة توجيه إجمالى الاستثمارات المخصصة للصندوق نحو مشروعات استثمارية تنموية حقيقية تتوطن فى أكثر المحافظات حاجة للتنمية وهى محافظات صعيد مصر.أظهرت نتائج الدراسة الخاصة باستشراف توقعات عينة الدراسة فيما يمكن أن تفعله الدولة للفقراء النتائج التالية:توفير فرص عمل للعاطلين ، تخفيض أسعار السلع الغذائية والمواصلات ، زيادة الاهتمام بالتعليم والصحة ، منح معاشات ثابتة وكافية للمحتاجين ، زيادة مخصصات المعاشات القائمة ، توفير مساكن لإيواء الفقراء ، أى مشروع ينتفع به محدودو الدخل.

وعلى جانب آخر هناك أساليب غير رسمية طرحت فى هذا الصدد ، حيث جاءت منظمات المجتمع المدنى (الجمعيات الأهلية) ، وروابط القرابة والإقليم والجيرة كأمثلة دالة على ما تمثله هذه الجهود غير الرسمية وما توفره من منافع اجتماعية أيضاً تستهدف فقراء مصر وتستكمل أوجه القصور فى الجهود الحكومية المطروحة وتتكامل معها فى أحيان أخرى .

وبصفة عامة أكدت المعطيات التى جمعتها الدراسة الميدانية عن أن الفقراء لم يستفيدوا من المردودات الاجتماعية المقدمة من الجهود غير الرسمية أيضاً.وفى هذا السياق أوضحت الدراسة الحقائق التالية التى تستكمل تأكيد صحة الفرض الراهن ، ففيما يخص الجمعيات الأهلية أظهرت الدراسة أنه على الرغم من أن الإجمالى العام للجمعيات الأهلية المسجلة فى مدينة قنا والتى تستهدف تقديم مساعدات ورعاية اجتماعية وتنمية المجتمع قد بلغ (34) جمعية ، إلا أن هذا العدد من الجمعيات يُعد ضئيلاً إذا ما قورن بكبر حجم أعداد الفقراء المحتاجين إلى مزيد من الدعم والرعاية فى ضوء ما كشفت عنه الملاحظات الواقعية التى استقت من تطبيق العمل الميدانى فى مجتمع الدراسة .

وكشفت الدراسة بعد ذلك عن أن نسبة كبيرة من أسر عينها لا تحصل على مساعدات هذه الجمعيات الأهلية الخيرية الموجودة بمدينة قنا ، أبانت ذلك (79 أسرة بنسبة 77.45%) ، فى حين أوضحت الأسر الباقية(23 أسرة بنسبة22.55%) أنها قد حصلت على إعانات مادية وعينية قدمتها لها بعض الجمعيات الأهلية ، وقد أجمعت الأسر المعيشية الفقيرة بمدينة قنا والتى حصلت على مساعدات من القطاع الأهلى بمدينة قنا أن الجهة التى حصلت منها على هذه الإعانات والمساعدات هى جمعية أحباب المصطفى صلى اللة علية وسلم ولذا تُعد هذه الجمعية من أبرز الجمعيات وفقاً لمعطيات الدراسة الميدانية .

وعلى الرغم من أهمية المكون الدينى كالمسجد والكنيسة وما يرتبط بهما من جمعيات أهلية إسلامية ومسيحية ودورهما فى دعم الفئات الاجتماعية الفقيرة انطلاقاً من مبادئ الأديان السماوية المؤكدة على التكافل والتساند والتضامن الاجتماعى بين أفراد المجتمع ، إلا أن بيانات الدراسة أظهرت عدم استفادة الأسر الفقيرة (102) أسرة التى خضعت للدراسة من المنافع الاجتماعية التى تقدم من خلال هذه المؤسسات الدينية أو الجمعيات الأهلية التى تدور فى فلكها .

ومن ناحية كشفت المعطيات الميدانية عن أن النسبة العظمى من أسر العينة المدروسة (94أسرة بنسبة 92.16%) لم تحصل على مساعدات غير رسمية .

لقد أوضحت الدراسة نظرة عينتها فى جدوى المساعدات الحكومية والأهلية فى دعم الأسر الفقيرة حيث كشف الإيمان بجدوى المساعدات الحكومية والأهلية المقدمة للفقراء فى مصر عن عمق الوعى لدى عينة الدراسة ، حيث جاءت أكثر الإجابات (87.25%) لتؤكد على رسوخ الدور الحكومى وأهمية المساعدات الرسمية ، فى مقابل هذه الإجابات ، جاءت النسبة الباقية (12.75%) لصالح المساعدات الأهلية غير الرسمية.ولعل هذه الاستجابات السابقة تكشف عن ما تمثله الحكومة من قيمة هامة تسهم فى إشباع حاجات المواطنين ولا سيما الفقراء وتعمل على رعايتهم اجتماعياً وأنها رغم تغير توجهاتها الاقتصادية ، وتقليص مخصاصاتها المالية من دعم وإنفاق عقب تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى مازالت الملاذ الأساسى للفقراء وأن دورها يبقى دوماً دوراً أساسياً ورائداً فى تقديم العون للفقراء مهما تبدلت توجهاتها الاقتصادية والأيدولوجية حياتهم.

خلاصة القول وفى حدود المعطيات الميدانية السابقة اتضح صحة الفرض الإجرائى السابق والمعبر عن آليات المواجهة الرسمية وغير الرسمية حيث تبين عدم استفادة فقراء مجتمع الدراسة رغم قسوة الحياة الحضرية من مردود المنافع الاجتماعية المقدمة من شبكات الآمان الرسمية وغير الرسمية التقليدية والمستحدثة.

رابعاً:فيما يتصل بنتائج الفرض الرئيسى الثالث الخاص بميكانيزمات تكيف فقراء الحضر المصرى مع التداعيات الاجتماعية السلبية لسياسات الإصلاح الاقتصادى وإبداعاتهم الرشيدة حيالها.

أظهرت نتائج واستخلاصات الدراسة فى مجملها على صحة الفرض الاجرائى المطروح ، حيث أشارت المعطيات الميدانية إلى حقيقة نجاح الفقراء فى التكيف والتعايش مع الظروف الاقتصادية المتداعية نتيجة لتطبيق آليات السوق الحر ، وذلك استناداً إلى خلاصة الرؤية التحليلية التى استقت من الواقع الميدانى لميكانيزمات التكيف والتعايش ، حيث أشارت المعطيات الميدانية إلى أن الإقامة المشتركة للفقراء فى أسر معيشية ممتدة ظاهرة شائعة فى مجتمع الدراسة (مدينة قنا) حيث أسهم قيام وحدات القطاع العائلى الفقير فى التكيف مع إجراءات الإصلاح التقشفية والمنعكسة على واقعهم الحياتى ، فالإقامة المشتركة للأسر المعيشية بتضمين أعضاء إلى الوحدة العائلية من الأقارب قد وفر قدراً من الإنفاق والتغلب على قلة الدخل ، لقد أوضحت النتائج وجود نسبة كبيرة من الأسر لديها أفراد (أقارب) يشاركونها في مصاريف المعايش . وأكدت المعطيات الميدانية أن تلك المشاركة (69.6%) تساعد على تخفيض الإنفاق على المعايش .وعلى جانب أشارت الدراسة الميدانية إلى ميكانيزم كسب القوت وخلق الموارد المادية وتوليد الدخل ، حيث أوضحت فى هذا السياق أن ثمة تعدداً وتنوعاً فى الأنشطة الاقتصادية لأرباب الأسر الفقيرة ولا سيما الذين يمتهنون مهناً هامشية كدق الطوب ، أو صناعة الفخار (القلل والأزيار) ، أو بيع الجلاب ، حيث يقوم هؤلاء بتغيير نوعية هذه الأنشطة الاقتصادية الموسمية والعمل بمهن أخرى عند توقف هذه الأنشطة حيث يلجأ البعض إلى العمل كعامل أنفار فى المقاولات والبعض يتجه إلى الوجه البحرى للعمل هناك فى أى مهنه تتوافر ، وأوضحت المعطيات الميدانية في هذا الصدد أن نسبة كبيرة من عينة الدراسة (64 رب أسرة يقومون بتغيير أنشطتهم الاقتصادية الهامشية بأنشطة أخرى .

وأشارت الدراسة أيضاً إلى أن هناك اتجاهاً سائداً لتكثيف ساعات وأيام العمل الهامشى الممارس ، والعمل فى أيام الإجازات من أجل إضافة الدخول ، حيث أشار بذلك (38.24%) من أرباب أسر عينة الدراسة بأنهم يعملون من خمسة إلى ستة أيام ، يليهم من يعمل أقل من خمسة أيام بنسبة (29.40%) ، ثم من يعمل الأسبوع كله بنسبة (21.56%) وأوضحت الدراسة أن طبيعة العمل الهامشى غير الرسمى الممارس بمجتمع الدراسة ، لا تجعله مقيداً بزمان معين، أو يرتبط بساعات محددة لإنجازه شأنه في ذلك شأن العمل الذى يمارسه الفقراء في حضر المجتمع المصري بصفة عامة وحضر مجتمعات العالم الثالث على وجه العموم .

وكشفت المعطيات عن أن (41 رب أسرة بنسبة 40.2%) قد حدد ممارسة ساعات عمله بأنه يتراوح ما بين (7 – 10 ساعات)،بينما عمل (31 رب أسرة بنسبة 30.4%) لمدة (10 ساعات فأكثر) ، على حين يعمل (19 رب أسرة بنسبة 18.6%) أقل من (7 ساعات فى اليوم) . وأن المتوسط العام لساعات عمل أرباب الأسر فى مجتمع الدراسة بلغ (± 3.5) ساعة ، وهذا يعنى أن معظم ساعات عمل عينة الدراسة يتراوح ما بين (3.8 – 10.Cool ساعة يومياً ، وهى ساعات مرتفعة ، لكن عائدها المادى وتوليدها للدخول غير كاٍفٍ لتحقيق ما تصبو إليه من تحصيل دخول إضافية يسد من خلالها المتطلبات المعيشية المتعددة والمرتفعة القيمة أيضاً .

إن الظروف الاقتصادية المتردية والسياق الاجتماعى الذى تحيا فية الأسر المعيشية فى المناطق الحضرية الفقيرة فى صعيد مصر تدفع أرباب هذه الأسر إلى العمل تحت أى ظروف ومهما توافر هذا العمل من أجل التكيف مع مصاعب الحياة.لقد أوضحت معطيات الدراسة الميدانية أن جميع أعضاء الوحدة المعيشية الفقيرة يضطرون إلى العمل للمساهمة فى المكتسبات المحدودة وتجميع الدخول ، إذ أوضحت الدراسة أن (69 رب أسرة بنسبة 21.6%) يسعون جاهدين إلى تزويد أيام وإضافة ساعات عملهم غير الرسمى الممارس داخل مدينة قنا. وأظهرت النتائج الميدانية أن أسر عينة الدراسة التى لديها أفراد يشتغلون ستات ، وأولاد أقل من 15 سنة نسبتهم (32.4%) . وقد تسربوا من التعليم للعمل طوال الوقت لمساعدة أسرهم الفقيرة ، وهؤلاء غالباً ما يعملون كصبى قهوجى أو بائع مناديل ورقية ، أو بائع أكياس بلاستيك ، أو فى شادر الخضروات كناقل للخضروات ، أو كعربجى على عربة كارو، أو منادى على سمك مقلى أو البليلة أو غيرها من المهن الأخرى فى حين جاء من يعمل بعض الوقت منهم بنسبه (21.2%) وهؤلاء هم تلاميذ المدارس وطلاب المعاهد والجامعة والذين يعملون فى العطلات والإجازات ، وأن هذا العمل يسهم فى معيشة هذه الأسر من خلال الدخول التى يولدونها حيث جاءت نسبة مساهمتهم (100%) .

وعلى جانب آخر بينت المعطيات الميدانية ميكانيزم تغيير أنماط الاستهلاك وترشيد الإنفاق ، وفى هذا الصدد كشفت النقاب عن الطرق المتعددة التى اتبعتها أسر عينة الدراسة بالتركيز على الدور المتميز التى تقوم به المرأة فى مجتمع الفقراء فى ترشيد الاستهلاك وتقليل الإنفاق ، ويبدو ذلك جلياً من خلال المعطيات الميدانية التى أبرزت بأن هناك تفاهماً سائداً بين الزوج والزوجة فى مجتمع الدراسة حول مصروفات المتزل وبنوده ، حيث أقر بذلك كافة أسر عينة الدراسة ، كما أجمع هؤلاء أيضاً على أن الزوجة تقوم بترشيد إنفاق الأسرة ، حيث أقر بذلك جميع مفردات عينة الدراسة بنسبة (100%) .

و فى حالة الظروف المادية المتردية تضطر أسر عينة الدراسة إلى الاقتراض (السلف) من الغير إذ بلغت تلك الأسر المقترضة ( 86 أسرة بنسبة 84.3%). وحول مصدر إقراض أسر عينة الدراسة ، فإنها تتنوع ما بين الجيران (بنسبة 33.7%)، الأصدقاء(بنسبة 27.7%)،وزملاء المهنة( بنسبة 16.3%) والأقارب(بنسبة 15.1%) ، واليلديات (بنسبة 8.2%) .

وأظهرت بيانات الدراسة أن(44) أسرة فقط من إجمالى (86 أسرة بنسبة 51.2%) تقوم برهن حاجات غالية لديهم ( رهن ساعة ، تلفزيون ، مسجل ، ساعة، حلق الزوجة ) مقابل الاقتراض من الغير (الجيران ، الأصدقاء ، زملاء المهنة ، الأقارب، البلديات) وتستعيد هذه الحاجات عند سداد ماعليها .

ونتيجة للظروف المادية المتردية وعدم توافر سيولة مادية للشراء الفورى من المحلات أو الباعة الجائلين ،فإن الأسر الفقيرة فى المناطق الحضرية غالباً ما يقوموا بالشراء بنظام القسط ، وهو نظام قد يسد احتياجاتهم ويشبع رغباتهم إلا أن له زوايا أخرى سلبية ، من ذلك قيام هذه الأسر بدفع فوائد عالية على الأقساط نتيجة لتأخر السداد ، أو عدم دفع مقدمات للأقساط . والمحصلة النهائية تصدق الرؤى الاجتماعية القائلة بأن دائماً ما يدفع الفقير أكثر؛ وأظهرت الدراسة الميدانية أن (91 أسرة بنسبة 89.2%) يقومون بشراء متعلقاتهم واحتياجاتهم عن طريق نظام القسط .ولعل فى مقدمة هذه الحاجات المراوح والثلاجات وذلك لطبيعة الجو الحار فى صعيد مصر ولا سيما فى شهور الصيف ويلى ذلك شراء البطاطين للتغطية فى فصل الشتاء ، ثم بعد ذلك يأتى شراء التليفزيونات ، ولا سيما الأسود والأبيض والبوتجازات، فضلاً عن شراء ملابس لأعضاء الأسرة (جلاليب ، فساتين ، عبايات ، مرايل ، قمصان ، بناطيل ، ترنجات ، فلاين (فنلات) ، وأقمشة ، ملايات سرير ، كبريتات ، عفش تنجيد ، كما أبانت البيانات الميدانية حرص أرباب ذوى المهن الهامشية إلى شراء متطلبات مهنهم وفقاً لهذا النمط مثال ذلك العجلاتى الذى يشترى قطع غيار محله بالتقسيط ، وكشفت الدراسة أيضاً عن الدور البارز للزوجة فى عملية الشراء بالقسط، إذ أن القرار الأول يصدر منها ، وإليها يعود استكمال متطلبات مسكنها وتجهيزها لبناتها كلما لاحت الظروف ، وهى التى تقوم بكافة إجراءات هذه العملية حتى سداد آخر قسط.ويبدو الأمر أكثر وضوحا عند النساء المعيلات لأسرهن ولديهن إناث على وشك الزواج إذ تقوم بتجهيز مستلزمات بناتهن بشراء أجهزة كهربائية ،وحصر ، ومتعلقات الفتاة الشخصية ، وذلك إلى حين قدوم ميعاد عقد قرانهن وزفافهن . وكذلك شراء المستلزمات الغذائية الخاصة بهن (طماطم ، مكرونة ، دقيق ، شاى ، سكر ، زيت ، جاز ، منظفات ، أعلاف) من بعض محلات البقالة القريبة من مسكنهم ، ويقومون بسداد ذلك حين تتيسر ظروفهم المادية والتى غالباً ما يكون السداد بشكل أسبوعى وتخص الأسر الفقيرة التى يعمل أعضاؤها ، ويحصلون على دخولهم فى نهاية الأسبوع ، وهناك نظام السداد الشهرى وهو خاص بذوى المعاشات الضمانية والتأمينية ومعاش السادات.

إن الملاحظة الجديرة بالتسجيل أن الأدوية وشراء العلاج يتم أيضاً وفقاً لنظام القسط ولا سيما الأسر التى يوجد لديها من يعالجون علاجاً مزمناً يتطلب مداومة صرف العلاج ، ومن ثم تتعامل هذه الأسر مع إحدى الأجزاخات القريبة من مسكنها بشراء الأدوية لحين قدوم آخر الشهر للتسديد أو حين تتوافر الظروف المادية .

لقد كشفت معطيات الدراسة الكيفية عن المصادر المتعددة التى تلجأ إليها الأسر الفقيرة إلى هذا النظام والعمل بالتقسيط ، ويمكن حصر هذه المصادر فى :الأفراد الذين يمرون على المنازل (الدلالات ، تجار بعربات نصف نقل أو عربات كارو ، أشخاص سريحة ) ، محلات تجارية معروفة ، أشخاص معروف أماكن تواجدهم لدى أسر عينة الدراسة ، وغيرهم مما يعتادون العمل بهذا النمط التجارى الشائع من البيع والشراء ، أو قد تكون مؤسسات حكومية مثل بنك ناصر الاجتماعى ، عمر أفندى ، شركة بيع المصنوعات ، وكلها مصادر تتواجد داخل مدينة قنا .كما تلجأ بعض الأسر إلى الشراء بالقسط من بعض المدن الأخرى المجاورة لمدينة قنا والقريبة منها كمدينة نجع حمادى ، ومدينة قفط ، حيث غالباً ما يكون لدى هؤلاء أقارب أو معارف أو بلديات مقيمون بهذه المدن يتعاملون مع بعض التجار ومحلات بها ويكونون بذلك ضامنين ومتضامنين مع هذه الأسر فى عمليتى البيع والشراء ، ومن ثم ضمان سداد القسط المتحصل عليه والواجب السداد.

وكشفت الدراسة عن أن (59 أسرة بنسبة 64.8%) ينتظمون فى دفع استحقاق القسط الخاص بهم نتيجة لشراء احتياجات أسرهم بنظام القسط ، فى حين جاءت (32 أسرة الباقية بنسبة 35.2%) غير منتظمين فى دفع القسط. وتقوم بتأجيل دفع القسط نتيجة لعدم وجود السيولة المادية ، وفى هذا الصدد يقول البعض "شهرين بدفع وشهر أبطل"ويقول الآخر "شهر أبطل وشهر أدفع"على جانب آخر أبدت بعض الأسر تضررها الجم من هذه الأقساط : "مقدرش على القسط ، مش قادر أتكلم" . وأن هناك اتجاها سائداً لدى أكثرية عينة الدراسة بضرورة الحرص الشديد على سداد الأقساط المستحقة مهما طال أجلها "إحنا مبنكولشى بتاع الناس" .

وتفصح البيانات عن أن (67 أسرة بنسبة 73.6%) يقومون بدفع فوائد خاصة بمتعلقاتهم واحتياجاتهم المشتراه عن طريق نظام القسط. أى أن الفقير غالباً ما يدفع أكثر ، وتلك حقيقة أساسية تؤكدها بحوث علم الاجتماع كما تدعمها نتائج الدراسة الراهنة . وهناك قناعة تامة من هذه النسبة بأن هذه الفوائد تُعد حقاً للتاجر ؛ نظراً لأنهم لايدفعون مقدمات ،وإن دفعوا فإنها تكون ضئيلة ، مكتفية بدفع القسط ، ومن ثم طول فترة تسديد هؤلاء الأقساط المستحقة ، ولذا ليس بمستغرب أن تجد هذه الأسر أسعار حاجتهم مرتفعة الثمن .

وأظهرت الدراسة أن أكثر من ( ¾ ) عينة الدراسة تلجأ إلى استخدام حاجات مستعملة ، وذلك لإشباع احتياجات أسرتها المعيشية بنسبة (77.5%) .كما كشفت عن أن (75.5%) يقومون بتوارث الملابس وتبادلها من خلال توضيب متعلقات أعضاء الأسرة الكبار (الأخوة) ، (الأخوات) على أخواتهم الصغار ؛ وذلك لتجنب تكلفة شراء ملابس جديدة ، فضلاً عن حصول هؤلاء على مثل هذه الملابس من الجيران أو الأقارب.

ومن بين الميكانيزمات الأخرى للتكيف لجوء عينة الدراسة إلى عمل جمعيات نقود ادخارية ، وجاءت نسبتهم (71.57%) وهم الأحسن حالاً نوعاً من الناحية الاقتصادية وهذا يؤكد على فاعلية ذلك النمط الادخارى كوسيلة للتغلب من خلال مدخراته على مصاعب الحياة الاقتصادية . وجاء الجيران في المرتبة الأولى من حيث مشاركتهم لأعضاء أسر عينة الدراسة فى جمعيات نقود ادخارية بنسبة (42.5%) ، ثم زملاء المهنة (20.6%) ، الأصدقاء (17.8%) ، الأقارب (10.9%) ، البلديات (8.2%).وبذلك تلعب جماعات الجيرة دوراً بارزاً بشبكة علاقاتها الاجتماعية كنوع من الآمان الاجتماعى والاقتصادى . ويتوجه عائد هذه الجمعيات إلى تسديد الدين المتأخر بنسبة (49.3%) ،فدفع مصاريف مدراس الأبناء بنسبة (19.2%) ،وشراء لوازم المسكن بنسبة (16.4%) ،ثم تجهيز البنات بنسبة (12.3%) ، وإجراء عمليات جراحية بنسبة (2.8%).

وأخيراً جاء ميكانيزم تحاشى حضور المناسبات الاجتماعية (كأداء مجاملات للأقارب والجيران والبلديات فى مناسباتهم المتعددة الخاصة بدورة الحياة (الميلاد الزواج والوفاة) لتطلبها إنفاقاً مادياً فوق احتمال دخولهم المتدنية )كأحد الأساليب التى تلجأ إليها الأسر الفقيرة في مجتمع الدراسة ؛ وذلك للتغلب على صعوباتها الاقتصادية ، وفي هذا الصدد أظهرت المعطيات الميدانية أن (89 أسرة فقيرة بنسبة87.3%) لا تشارك أقاربهم وجيرانهم وبلدياتهم فى مناسباتهم الاجتماعية . مبررين ذلك ب" المشاركة مكلفة ودخلى قليل ، ومفيش سيولة مادية معاً بنسبة (39.3%) ، دخلى قليل ومفيش سيولة مادية بنسبة (24.7%) ، المشاركة مكلفة بنسبة (21.4%) ، لما ودى حاجات محدتش بيردها تانى بنسبة (4.5%) ، إحنا فى زمن معدش حد بيجامل فيه بنسبة (3.4%) ".

هكذا أظهرت معطيات الدراسة الميدانية الميكانيزمات العديدة التى طورتها عينة الدراسة للتعايش بمرونة إيجابية مع تداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى.

وبذلك نستطيع القول بتواضع شديد بأن النتائج العامة والاستخلاصات التى توصلت إليها الدراسة قد عبرت عن الأهداف العامة التى وضعتها ، وغطت التساؤلات التى أثارتها والفروض الإجرائية التى صاغتها.ومما يجدر الإشارة إليه أن هذه الدراسة رغم سعيها إلى الشمول والعمق لا تمثل سوى خطوة سوسيولوجية ميدانية أولية لفهم سياسات الإصلاح الاقتصادى فى ضوء ارتباطها بفقراء حضر صعيد مصر ، ونأمل أن يتلوها خطوات ومساع بحثية أخرى.

ثالث عشر : بدائل الدراسة ومقترحاتها :

قد يبدو مناسباً فى نهاية عرض هذه الدراسة ، أن نطرح عدداً من البدائل و المقترحات نشير إلى أهمها على النحو التالي:

(1):ضرورة رسم خريطة اجتماعيـة للمناطق الحضرية الفقيرة فى المجتمع المصري ؛ فنحن في حاجة ماسة لمثل هذه الخريطة الاجتماعية لينطلق من أبعادها السوسيولوجيون الذين يهتمون برصد أحوال الشرائح و الفئات الاجتماعية الفقيرة فى الحضر المصرى ؛ لأنه حتى الآن – ورغم تقدم الثورة المعلوماتية وتوافر بنوك بارزة للمعلومات فى مجتمعنا المصرى ؛ كمركز معلومات ودعم اتخاذ القرار التابع لرئاسة مجلس الوزراء ، وفروعه المتعددة فى محافظات الجمهورية ، ووجود الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ، وهيئاته التابعة له (المركز القومى للمعلومات) ، فضلاً عن المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بأقسامه النوعية المتخصصة (قسم بحوث المجتمعات الحضرية والمدن الجديدة) - لازال الباحثون المهتمون بالظواهر الحضرية المصرية يواجهون بصعوبات جمة حين يشرعون فى اختيار مناطق حضرية متدهورة فقيرة تصلح كنطاق أيكولوجى (مكانى) لتطبيق دراستهم الميدانية ؛ ولذا فإن توفير خريطة اجتماعية بالمناطق الحضرية الفقيرة في مقابل خريطة اجتماعية أخرى بالمناطق الريفية الفقيرة في مجتمعنا المصري مدعمة بالبيانات الضرورية التى تغطى الأبعاد الديموجرافية والاجتماعية والبيئية والاقتصادية والمهنية تسهم في مساعدة الباحثين الشغوفين بمثل هذه القضايا على القيام بمهامهم البحثية على خير وجه ، وتطرح أمامهم آفاقاً تصورية رحبة لتنمية مجتمعاتهم في الغد وفقاً لأسس علمية رصينة مرتكزة إلى مبررات موضوعية ، وبيانات ومعطيات إحصائية دقيقة.وهو أمر تكاد تفتقر إليه العديد من الدراسات والبحوث الاجتماعية في مصر.

(2):من الضرورى حصر الفئات الاجتماعية المتضررة من تداعيات سياسات الإصلاح الاقتصادى فى مصر على المستوى القومى بصورة دقيقة ودراسة أشكال معاناتهم اليومية مع مصاعب الحياة المعاشة فى ظل تطبيق سياسات الإصلاح الاقتصادى تمهيداً لطرح برامج اجتماعية وسياسات تعويضية فعالة أكثر من شبكات الأمان الاجتماعى المطبقة حالياً.ومن هنا تدعو الدراسة الراهنة أقسام الاجتماع بالجامعات الاقليمية المصرية بإجراء دراسات اجتماعية ميدانية حول جوانب هذه القضية تغطى النطاقات الايكولوجية (المكانية) لجامعاتهم.وعلى المستوى القومى المصرى ، تدعو الدراسة المركز القومى للبحوث الاجتماعية والجنائية بالتوجه صوب هذه القضية البحثية الهامة لدراستها من منظور أبعادها المتعددة نظراً لتوافر الإمكانيات المعرفية والمادية المتراكمة لدى هذه المؤسسة البحثية الوطنية ، وكذا دعوة مركز البحوث والدراسات العربية بالتوسع فى إجراء دراسات قطرية مقارنة حول هذا الجانب البحثى فى البلدان العربية مع امكانية وضع هذا الأمر فى نطاق الاهتمام بالأجندة البحثية المطروحة وكذا ضمن برنامج أعمال هذا المركز البحثى النوعى المتميز فى معالجة قضايا ومشكلات العالم العربى.

(3):ينبغى التركيز – باستمرارية – على ضرورة منح أولوية للمناطق الفقيرة فى محافظات صعيد مصر في مجال مشروعات وبرامج التنمية ، وهذا من شأنه يخفف من وطأة مشكلات قائمة ، ويحد من مآزق قضايا مجتمعية ملحة في صعيد مصر ، كالتطرف والعنف والخروج على الشرعية ، والتى ترتبط بالطبقات الاجتماعية الفقيرة هناك فالمهمشون ألفوا بالفعل التهميش والتجاهل والإهمال من قبل الدولة وتأثرت أوضاعهم الحياتية شأنهم فى ذلك شأن بقية الطبقات فى مصر والذين عانوا من جراء أزمات اقتصادية هيكلية تاريخية مزمنة ومستتبعات تطبيق سياسات اقتصادية ليبرالية جديدة ذات طابع انكماشى فكانت ردود أفعالهم السلبية حيالها متنوعة.ومن هنا يمكن القول بأن ما تنفقه الدولة من استثمارات موجهة لتنمية مجتمعات صعيد مصر ولاسيما مناطقه الفقيرة لهو استثمار اقتصادي واجتماعى فى آن واحد وهو من شأنه أن يحد من وطأة مشكلات قائمة وقضايا ملحة فى المستقبل القريب.

واستكمالاً لما سبق ، ينبغى أن نؤكد على قضية العدالة الأقليمية فى ضوء ارتباطها بالإصلاح الاقتصادى ، فالقضية الأساسية لاتكمن فى الجانب الاقتصادى المتصل بقصور دخول الفئات الاجتماعية الفقيرة فى مجتمعنا المصرى من جراء تطبيق سياسات الاصلاح الاقتصادى ، وبالتالى عجز مثل هذه الطبقات الفقيرة على مواجهة متطلبات وصعوبات الحياة القاسية فحسب ، بل يكمن أيضاً فى قضية العدالة الاقليمية والتصاقها الوثيق بإجراءات سياسات الاصلاح الاقتصادى ؛ فطبقاً لمؤشرات التنمية البشرية فى محافظات صعيد مصر بوجه عام ، فإنها ذات معدلات منخفضة قى مجالات متوسط الدخل الفردى ومتوسط الأعمار ومعدلات التعليم وحجم الموارد الاستثمارية.

وإذا كان لبرنامج وسياسات الإصلاح الاقتصادى على المدى البعيد أن تصبو إلى تحقيق أهدافها وطموحاتها ، فإنه لابد لها من أن تجعل من مناطق جنوب مصر مناطق إنتاجية واستهلاكية وادخارية واستثمارية فى آن واحد ، وأن تقضى على التفاوتات الإقليمية بوجه عام ، وتوازن بين المحافظات الحضرية وعواصم المحافظات و المناطق الريفية على حدٍ سواء.فضلاً عن موازنتها بين فى مناطق الوجه البحرى ، وكذا مناطق صعيد مصر بوجه خاص.

(4):وعلى اعتبار محافظة قنا من محافظات إقليم جنوب صعيد مصر ، وتمثل الشريحة الوسطى من مدن هذا الإقليم ، فإنها بحاجة ماسة إلى عملية تنمية رشيدة مستمرة ، تستند فى التحليل الأول والأخير على الطاقات الكامنة لدى السكان قاطنيها ؛ ولذا فإن دراسة إمكانيات المحافظة بصفة عامة ومدينة قنا على وجه الخصوص ، والتعرف على محاور التنمية المنشودة ورغبات السكان المستفيدين الحقيقيين من مردود المشروعات التنموية يعد مطلباً ضرورياً ، ولعل السعى نحو إنشاء مركز للتنمية المتكاملة يخطط للنمو المستقبلى وأوضاع البشر فى ضوء المحددات السابقة ، ويضم بين أقسامه ووحداته النوعية تخصصات:للتنمية الريفية ، والتنمية الحضرية ، والتنمية البشرية ويخطط لقوى العمل ، ومبادرات المرأة فى هذه المحافظة الطولية بصفة عامة ، ويركز هذا المركز فى نطاق اهتماماته الدقيقة بصف
avatar
ابراهيم فاروق هيكل
Admin

عدد المساهمات : 3072
تاريخ التسجيل : 04/11/2010
العمر : 59
الموقع : http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

مؤسسة السندس لرعاية الايتام والمعاقين

مُساهمة من طرف ابراهيم فاروق هيكل في الجمعة أكتوبر 14, 2011 8:43 am

http://www.darelsondos.com/index.php?mode=getpagecontent&pageID=74
مؤسسة السندس لرعاية الايتام
الرئيسيةالرئيسية
من نحن
أتصل بنا
سجل الزوار(شارك برأيك)
الاخبار
الخدمات
دار الفردوس مدينة نصر
مدرسة السندس
دار السندس مدينة نصر
دار السندس مصر الجديدة
اقسام العمل في مجال الاعاقة
الاعاقة السمعية
الوقاية والتدخل المبكر
التوحد
التخاطب
الاعاقة البصرية
الاعاقة الحركية
العلاج الطبيعى
اختبارات الذكاء
تعديل السلوك
تنمية بشرية مستدامة
تعاون مع جهات مختلفة
وظائف متاحة
المنتدى

من نحن
أتصل بنا
سجل الزوار(شارك برأيك)
الاخبار
الخدمات
دار الفردوس مدينة نصر
مدرسة السندس
دار السندس مدينة نصر
دار السندس مصر الجديدة
اقسام العمل في مجال الاعاقة
الاعاقة السمعية
الوقاية والتدخل المبكر
التوحد
التخاطب
الاعاقة البصرية
الاعاقة الحركية
العلاج الطبيعى
اختبارات الذكاء
تعديل السلوك
تنمية بشرية مستدامة
تعاون مع جهات مختلفة
وظائف متاحة
المنتدى
avatar
ابراهيم فاروق هيكل
Admin

عدد المساهمات : 3072
تاريخ التسجيل : 04/11/2010
العمر : 59
الموقع : http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

http://hekmtfalsaftalfarouk.ba7r.org

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى